وضم العرق الواحد ذهبًا كان أو فضّةً بعضه إلى بعضٍ إذا كان ذلك العرق متّصلًا وإن تراخى العمل بانقطاعه , سواء حصل الانقطاع اختيارًا أو اضطرارًا , كفساد آلةٍ ومرض العامل .
وأمّا المعادن من أماكن متفرّقةٍ فلا يضم ما خرج من واحدٍ منها بعضه إلى بعضٍ ولو في وقتٍ واحدٍ من جنسٍ واحدٍ أو من جنسين على المذهب , ولا يضم عرق آخر للّذي كان يعمل فيه أوّلًا في معدنٍ واحدٍ ويعتبر كل عرقٍ بانفراده , فإن حصل منه نصاب يزكّى , ثمّ يزكّى ما يخرج منه بعد ذلك وإن قلّ , وسواء اتّصل العمل أو انقطع , وفي ندرة العين - وهي القطعة من الذّهب أو الفضّة الخالصة الّتي لا تحتاج لتصفية - الخمس مطلقًا , وجدها حر أو عبد مسلم أو كافر , بلغت نصابًا أم لا .
وقال الشّافعيّة: أجمعت الأمّة على وجوب الزّكاة في المعدن لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم: « أقطع بلال بن الحارث المزني المعادن القبليّة وأخذ منه الزّكاة » , وشرط للّذي يجب عليه أن يكون حرًا مسلمًا وشرط كذلك أن يكون المستخرج نصابًا من الذّهب أو الفضّة , أمّا غير الذّهب والفضّة كالحديد والرّصاص وغيرهما فلا زكاة فيه , لأنّها ليست من الأموال المزكّاة .
ومن وجد دون النّصاب لم يلزمه الزّكاة , لأنّها لا تجب فيما دون النّصاب , ولأنّه حق يتعلّق بالمستفاد من الأرض فاعتبر فيه النّصاب كالعشر , وإن وجد النّصاب في دفعاتٍ فإن لم ينقطع العمل ولا النّيل ضمّ بعضه إلى بعضٍ في إتمام النّصاب , وكذا إن قطع العمل لعذر , ويجب حق المعدن بالوجود ولا يعتبر فيه الحول في أظهر القولين لأنّ الحول يراد لكمال النّماء وبالوجود يصل إلى النّماء فلم يعتبر فيه الحول كالمعشّر .
وقال في البويطيّ لا يجب حتّى يحول عليه الحول , لأنّه زكاة مالٍ تتكرّر فيه الزّكاة فاعتبر فيه الحول كسائر الزّكوات .
وفي ما يجب من الزّكاة أقوال مشهورة , والصّحيح منها: وجوب ربع العشر , قال الماورديّ: هو نصه في الأمّ والإملاء , وقيل يجب الخمس لأنّه مال تجب الزّكاة فيه بالوجود فتقدّرت زكاته بالخمس .
والقول الثّالث: إن أصابه من غير تعبٍ وجب فيه الخمس , وإن أصابه بتعب فيجب فيه ربع العشر , لأنّه حق يتعلّق بالمستفاد من الأرض فاختلف قدره باختلاف المؤن كزكاة الزّرع . ويجب إخراج الحقّ بعد التّميز .
والمذهب عند الشّافعيّة أنّ الحقّ المأخوذ من واجد المعدن زكاة , وسواء أقلنا يجب فيه الخمس أم ربع العشر , وقيل: إن قيل بربع العشر فهو زكاة وإلا فقولان أصحهما أنّه زكاة , والثّاني: أنّه يصرف في مصارف خمس خمس الفيء .
وقال الشّافعيّة: يجب ما تقدّم من الزّكاة في المعدن سواء أخذه من مواتٍ أو من أرضٍ يملكها على التّفصيل السّابق .
وقال الحنابلة: تجب الزّكاة في المعدن الّذي يخرج من الأرض ممّا يخلق فيها من غيرها ممّا له قيمة كالذّهب والفضّة والحديد والياقوت والبلّور والكحل ونحوه , وكذلك المعادن الجارية كالقار والنّفط والكبريت ونحو ذلك , لعموم قول اللّه تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ } .
ولأنّه معدن قطعت الزّكاة بالخارج منه كالأثمان , ولأنّه مال لو غنمه وجب عليه خمسه فإذا أخرجه عن معدنٍ وجبت الزّكاة كالذّهب .
والواجب في المعدن ربع العشر , وصفته أنّه زكاة لحديث بلال بن الحارث المزني السّابق ، ولأنّه حق يحرم على أغنياء ذوي القربى فكان زكاةً كالواجب في الأثمان ونصاب الواجب هو ما يبلغ من الذّهب عشرين مثقالًا ومن الفضّة مائتي درهمٍ أو قيمة ذلك من غيرهما . ووقت وجوب الزّكاة في المعدن حين تناوله ولا يعتبر له حول ويكمّل النّصاب .
ما يجب في معادن البحر:
7 -اختلف الفقهاء فيما يجب في معادن البحر:
فذهب المالكيّة والشّافعيّة وأبو حنيفة ومحمّد من الحنفيّة وبعض الحنابلة إلى أنّه لا يجب في معادن البحر شيء لما روي عن ابن عبّاسٍ رضي اللّه عنهما أنّه قال في العنبر أنّه دسره - ألقاه - البحر فلا شيء فيه , فهذا النّص صريح في أنّ العنبر لا شيء فيه , والعنبر مستخرج من البحر فكذلك غيره من معادن البحر لا شيء فيه إذ لا فرق بين معدنٍ وآخر من معادن البحر , وبه قال عطاء والثّوريّ وابن أبي ليلى والحسن بن صالحٍ وأبو ثورٍ ، ولأنّ العنبر كان يخرج على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وخلفائه فلم يأت فيه سنّة عنه ولا عنهم من وجهٍ يصح .
ولأنّ الأصل عدم وجوب شيءٍ فيه ما لم يرد به نص ولأنّه عفو قياسًا على العفو من صدقة الخيل .
وذهب بعض الحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة إلى وجوب الخمس في معادن البحر , وبه قال الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز , لما روي عن يعلى بن أميّة أنّه كتب إلى عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه يسأله عن عنبر وجد على السّاحل فكتب إليه في جوابه أنّه مال اللّه يؤتيه من يشاء وفيه الخمس .
ولأنّه نماء يتكامل عاجلًا فاقتضى أن يجب فيه الخمس كالرّكاز , ولأنّ الأموال المستفادة نوعان من برٍّ وبحرٍ , فلمّا وجبت زكاة ما استفيد من البرّ اقتضى أن تجب زكاة ما استفيد من البحر .