فهرس الكتاب

الصفحة 1827 من 2053

وقال المالكيّة في قولٍ آخر: إنّها تبع للأرض الّتي هي فيها فإن كانت في أرضٍ حرّةٍ أو في أرض العنوة أو في الفيافي الّتي هي غير ممتلكةٍ كان أمرها إلى الإمام يقطعها لمن يعمل فيها أو يعامل النّاس على العمل فيها لجماعة المسلمين على ما يجوز له ويأخذ منها الزّكاة على كلّ حالٍ , وإن كانت في أرضٍ ممتلكةٍ فهي ملك لصاحب الأرض يعمل فيها ما يعمل ذو الملك في ملكه , وإن كانت في أرض الصلح كان أهل الصلح أحقّ بها إلا أن يسلموا فتكون لهم , هذا ما قاله سحنون ومثله لمالك في كتاب ابن الموّاز , لأنّه لمّا كان الذّهب والفضّة ثابتين في الأرض كانا لصاحب الأرض بمنزلة ما نبت فيها من الحشيش والشّجر .

وقال الشّافعيّة: المعدن الظّاهر لا يملك بالإحياء ولا يثبت فيه اختصاص بتحجر ولا إقطاعٍ , لأنّه من الأمور المشتركة بين النّاس كالماء والكلأ , ولأنّه صلّى اللّه عليه وسلّم: « سأله الأبيض بن حمّالٍ أن يقطعه ملح مأرب فأراد أن يقطعه أو قال - الرّاوي - أقطعه إيّاه فقيل له: إنّه كالماء العدّ - أي العذب - قال: فلا إذن » , ولا فرق بين إقطاع التّمليك وإقطاع الإرفاق خلافًا للزّركشيّ الّذي قيّد المنع بالأوّل .

ومن أخذ من المعدن أخذ بقدر حاجته منه , فإن ضاق نيل الحاجة عن اثنين مثلًا جاءا إليه قدّم السّابق لسبقه , ويرجع في الحاجة إلى ما تقتضيه عادة أمثاله , وقيل: إن أخذ لغرض دفع فقرٍ أو مسكنةٍ مكّن من أخذ كفاية سنةٍ أو العمر الغالب فإن طلب زيادةً على حاجته فالأصح إزعاجه إن زوحم عن الزّيادة لأنّ عكوفه عليه كالتّحجر .

والثّاني يأخذ منه ما شاء لسبقه .

فلو جاءا إليه معًا ولم يكف الحاصل منه لحاجتهما وتنازعا في الابتداء أقرع بينهما في الأصحّ لعدم المزيّة ، والثّاني: يجتهد الإمام ويقدّم من يراه أحوج , والثّالث: ينصّب من يقسّم الحاصل بينهما .

والمعدن الباطن لا يملك بالحفر والعمل بقصد التّملك في الأظهر , والثّاني يملك بذلك إذا قصد التّملك .

ومن أحيا مواتًا فظهر فيه معدن باطن كذهب ملكه جزمًا , لأنّه بالإحياء ملك الأرض بجميع أجزائها فإذا كان عالمًا بأنّ في البقعة المحياة معدنًا فاتّخذ عليه دارًا ففيه طريقان:

أحدهما: أنّ الرّاجح عدم ملكه لفساد القصد وهو المعتمد .

والطّريق الثّاني: القطع بأنّه يملكه .

وإذا كان المعدن الّذي وجد فيما أحياه ظاهرًا فلا يملكه بالإحياء إن علمه لظهوره من حيث إنّه لا يحتاج إلى علاجٍ , أمّا إذا لم يعلمه فإنّه يملكه وهو المعتمد .

وقال الحنابلة: إنّ المعادن الجامدة تملك بملك الأرض الّتي هي فيها , لأنّها جزء من أجزاء الأرض فهي كالتراب والأحجار الثّابتة .

فقد ورد: « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أقطع بلال بن الحارث المزني أرض كذا من مكان كذا إلى كذا وما كان فيها من جبلٍ أو معدنٍ قال: فباع بنو بلالٍ من عمر بن عبد العزيز أرضًا فخرج فيها معدنان ، فقالوا: إنّما بعناك أرض حرثٍ ولم نبعك المعدن ، وجاءوا بكتاب القطيعة الّتي قطعها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأبيهم في جريدةٍ ، قال: فجعل عمر يمسحها على عينيه وقال لقيّمه: انظر ما استخرجت منها وما أنفقت عليها فقاضهم بالنّفقة وردّ عليهم الفضل » , فعلى هذا ما يجده في ملك أو مواتٍ فهو أحق به .

وإن سبق اثنان إلى معدنٍ في مواتٍ فالسّابق أولى به ما دام يعمل فإذا تركه جاز لغيره العمل فيه , وما يجده في مملوكٍ يعرف مالكه فهو لمالك المكان .

وأما المعادن الجارية فهي مباحة على كل حال إلا أنه يكره له دخول ملك غيره إلا بإذنه وتملك بملك الأرض التي هي فيها , لأنها من نمائها وتوابعها , فكانت لمالك الأرض كفروع الشجر للملوك وثمرته .

ولأن المعادن السائلة مباحة قياسا على الماء بجامع السيولة في كل , فكما أن الماء مباح لقوله صلى الله عليه وسلم: « المسلمون شركاء في ثلاث: الكلأ , والماء , والنار » فكذلك المعادن السائلة تكون مباحة .

الواجب في المعدن:

6 -ذهب الحنفيّة إلى أنّ المعدن المنطبع كالذّهب والفضّة والحديد والرّصاص والنحاس والصفر يجب فيه الخمس سواء أخرجه حر أو عبد أو ذمّي أو صبي أو امرأة وما بقي فللآخذ .

سواء وجد في أرضٍ عشريّةٍ أو خراجيّةٍ , ويجب الخمس في الزّئبق .

وأمّا المعدن المائع كالقير والنّفط وما ليس بمنطبع ولا مائعٍ كالنورة والجصّ والجواهر واليواقيت فلا شيء فيها , ولا يجب الخمس فيما وجده في داره وأرضه من المعدن عند أبي حنيفة وقال الصّاحبان يجب .

وصرّحوا بأنّ الخمس يجب في القليل والكثير ولا يشترط فيه النّصاب لأنّ النصوص خالية عن اشتراط النّصاب فلا يجوز اشتراطه بغير دليلٍ سمعيٍّ .

ولا يشترط عندهم حولان الحول لوجوب الخمس .

وقالوا إنّ ما يصاب من المعدن هو غنيمة والخمس حق الفقراء في الغنيمة .

فإن كان الّذي أصابه محتاجًا عليه دين كثير لا يصير غنيًا بالأربعة الأخماس فرأى الإمام أن يسلّم ذلك الخمس له جاز , لأنّ الخمس حق الفقراء وهذا الّذي أصابه فقير فقد صرف الحقّ إلى مستحقّه فيجوز .

وقال المالكيّة: تجب في المعدن من ذهبٍ أو فضّةٍ دون غيرها الزّكاة .

قال الباجيّ: تجب الزّكاة فيه بمجرّد إخراجه , وقال البعض: تجب الزّكاة بعد تصفيته من ترابه وكان المخرج من أهل الزّكاة إن بلغ نصابًا قدر عشرين دينارًا أو مائتي درهمٍ وكان من أهل الزّكاة , من الحرّيّة والإسلام وهذا ما اقتصر عليه ابن الحاجب وقيل لا يشترط فيه حرّيّة ولا إسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت