حكم زيارة القبور:
1 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّه تندب للرّجال زيارة القبور ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « إنّي كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، فإنّها تذكّر بالآخرة » .
ولأنّه صلى الله عليه وسلم « كان يخرج إلى البقيع لزيارة الموتى ويقول: السّلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجّلون ، وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون » . وزاد في رواية: « أسأل اللّه لي ولكم العافية » .
أمّا النّساء ، فمذهب الجمهور أنّه تكره زيارتهنّ للقبور ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « لعن اللّه زوّارات القبور » . ولأنّ النّساء فيهنّ رقّة قلب ، وكثرة جزع ، وقلّة احتمال للمصائب ، وهذا مظنّة لطلب بكائهنّ ، ورفع أصواتهنّ .
وذهب الحنفيّة - في الأصحّ - إلى أنّه يندب للنّساء زيارة القبور كما يندب للرّجال ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « إنّي كنت نهيتكم عن زيارة القبور » الحديث .
وقال الخير الرّمليّ: إن كان ذلك لتجديد الحزن والبكاء والنّدب وما جرت به عادتهنّ فلا تجوز ، وعليه حمل حديث « لعن اللّه زوّارات القبور » . وإن كان للاعتبار والتّرحّم من غير بكاء ، والتّبرّك بزيارة قبور الصّالحين فلا بأس - إذا كنّ عجائز - ويكره إذا كنّ شوابّ ، كحضور الجماعة في المساجد . قال ابن عابدين: وهو توفيق حسن .
وقال الحنابلة: تكره زيارة القبور للنّساء ، لحديث أمّ عطيّة رضي الله عنها « نهينا عن اتّباع الجنائز ولم يعزم علينا » فإن علم أنّه يقع منهنّ محرّم ، حرمت زيارتهنّ القبور ، وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: « لعن اللّه زوّارات القبور » . قالوا: وإن اجتازت امرأة بقبر في طريقها فسلّمت عليه ودعت له فحسن ، لأنّها لم تخرج لذلك .
ويستثنى من الكراهة زيارة قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، فإنّه يندب لهنّ زيارته ، وكذا قبور الأنبياء غيره عليهم الصلاة والسلام ، لعموم الأدلّة في طلب زيارته صلى الله عليه وسلم .
زيارة قبر الكافر:
2 -ذكر الشّافعيّة والحنابلة أنّ زيارة قبر الكافر جائزة .
وقال الماورديّ: تحرم زيارة قبر الكافر .
قال الحنابلة: ولا يسلّم من زار قبر كافر عليه ، ولا يدعو له بالمغفرة .
شدّ الرّحال لزيارة القبور:
3 -ذهب جمهور العلماء إلى أنّه يجوز شدّ الرّحل لزيارة القبور ، لعموم الأدلّة ، وخصوصًا قبور الأنبياء والصّالحين .
ومنع منه بعض الشّافعيّة ، وابن تيميّة - من الحنابلة - لقوله صلى الله عليه وسلم: « لا تشدّ الرّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا ، والمسجد الحرام ، والمسجد الأقصى » ، وأخرج أحمد في المسند عن عمر بن عبد الرّحمن بن الحارث قال: « لقي أبو بصرة الغفاريّ أبا هريرة ، وهو جاء من الطّور فقال: من أين أقبلت ؟ قال: من الطّور ، صلّيت فيه . قال: أما لو أدركتك قبل أن ترحل إليه ما رحلت ، إنّي سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: « لا تشدّ الرّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى » . ونقل ابن تيميّة هذا المذهب عن بعض الصّحابة والتّابعين .
وحمل القائلون بالجواز الحديث على أنّه خاصّ بالمساجد ، فلا تشدّ الرّحال إلاّ لثلاثة منها . بدليل جواز شدّ الرّحال لطلب العلم وللتّجارة ، وفي رواية « لا ينبغي للمطيّ أن تشدّ رحاله إلى مسجد ينبغي فيه الصّلاة غير المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا » .
زيارة قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم:
4 -لا خلاف بين العلماء في استحباب زيارة قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم وفي زيارة قبور الأنبياء والأولياء تفصيل ينظر في ( زيارة قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم ) .
آداب زيارة القبور:
5 -قال الحنفيّة: السّنّة زيارتها قائمًا ، والدّعاء عندها قائمًا ، كما كان يفعله صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى البقيع ، ويقول: « السّلام عليكم يا أهل القبور ، يغفر اللّه لنا ولكم ، أنتم سلفنا ونحن بالأثر » .
-أو يقول: « السّلام عليكم أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين ، وإنّا إن شاء اللّه بكم للاحقون ، نسأل اللّه لنا ولكم العافية » ثمّ يدعو قائمًا ، طويلًا .
وفي شرح المنية: يدعو قائمًا مستقبل القبلة ، وقيل: يستقبل وجه الميّت .
وقال الشّافعيّة: يندب أن يقول الزّائر: سلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون ، اللّهمّ لا تحرمنا أجرهم ، ولا تفتنّا بعدهم ، وأن يقرأ ما تيسّر من القرآن ويدعو لهم ، وأن يسلّم على المزور من قبل وجهه ، وأن يتوجّه في الدّعاء إلى القبلة ، وعن الخراسانيّين إلى وجهه ، وعليه العمل .
وقال الحنابلة: سنّ وقوف زائر أمامه قريبًا منه ، وقول السّلام عليكم دار قوم مؤمنين ، أو أهل الدّيار من المؤمنين ، وإنّا إن شاء اللّه بكم للاحقون ، ويرحم اللّه المستقدمين منكم أخرين ، نسأل اللّه لنا ولكم العافية ، اللّهمّ لا تحرمنا أجرهم ، ولا تفتنّا بعدهم ، واغفر لنا ولهم . وفي القنية من كتب الحنفيّة: قال أبو اللّيث: لا نعرف وضع اليد على القبر سنّةً ولا مستحبًّا ولا نرى بأسًا ، وعن جار اللّه العلّامة: إنّ مشايخ مكّة ينكرون ذلك ، ويقولون: إنّه عادة أهل الكتاب ، وفي إحياء علوم الدّين: إنّه من عادة النّصارى .