أحدها: أن تكون الزّيادة رياءً للنّاظرين وتصنّعًا للمخلوقين ، حتّى يستعطف بها القلوب النّافرة ويخدم بها العقول الواهية ، فيتبهرج بالصّلحاء وليس منهم ، ويتدلّس في الأخيار وهو ضدّهم ، وقد ضرب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للمرائي بعمله مثلًا فقال: « المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور » . يريد بالمتشبّع بما لا يملك: المتزيّن بما ليس فيه، وقوله: كلابس ثوبي زور: هو الّذي يلبس ثياب الصّلحاء ، فهو بريائه محروم الأجر، مذموم الذّكر ، لأنّه لم يقصد وجه اللّه تعالى .
والقسم الثّاني: أن يفعل الزّيادة اقتداءً بغيره ، وهذا قد تثمره مجالسة الأخيار الأفاضل ، وتحدثه مكاثرة الأتقياء الأماثل . ولذلك قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل » .
فإذا كاثرهم المجالس وطاولهم المؤانس أحبّ أن يقتدي بهم في أفعالهم ، ويتأسّى بهم في أعمالهم ، ولا يرضى لنفسه أن يقصّر عنهم ، ولا أن يكون في الخير دونهم ، فتبعثه المنافسة على مساواتهم ، وربّما دعته الحميّة إلى الزّيادة عليهم ، والمكاثرة لهم ، فيصيرون سببًا لسعادته ، وباعثًا على استزادته .
والقسم الثّالث: أن يفعل الزّيادة ابتداءً من نفسه التماسًا لثوابها ورغبةً في الزّلفة بها ، فهذا من نتائج النّفس الزّاكية ، ودواعي الرّغبة الواقية الدّالّين على خلوص الدّين وصحّة اليقين ، وذلك أفضل أحوال العاملين ، وأعلى منازل العابدين .
28 -ثمّ لما يفعله من الزّيادة حالتان:
إحداهما: أن يكون مقتصدًا فيها وقادرًا على الدّوام عليها ، فهي أفضل الحالتين ، وأعلى المنزلتين ، عليها انقرض أخيار السّلف ، وتتبّعهم فيها فضلاء الخلف ، وقد روت عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « عليكم بما تطيقون فواللّه لا يملّ اللّه حتّى تملّوا ، وكان أحبّ الدّين إليه ما دام عليه صاحبه » .
والحالة الثّانية: أن يستكثر منها استكثار من لا ينهض بدوامها ، ولا يقدر على اتّصالها ، فهذا ربّما كان بالمقصّر أشبه ، لأنّ الاستكثار من الزّيادة إمّا أن يمنع من أداء اللّازم فلا يكون إلاّ تقصيرًا ، لأنّه تطوّع بزيادة أحدثت نقصًا ، وبنفل منع فرضًا ، وإمّا أن يعجز عن استدامة الزّيادة ويمنع من ملازمة الاستكثار ، من غير إخلال بلازم ولا تقصير في فرض ، فهي إذن قصيرة المدى قليلة اللّبث ، وقليل العمل في طويل الزّمان أفضل عند اللّه عزّ وجلّ من كثير العمل في قليل الزّمان ، لأنّ المستكثر من العمل في الزّمان القصير قد يعمل زمانًا ويترك زمانًا ، فربّما صار في زمان تركه لاهيًا أو ساهيًا ، والمقلّل في الزّمان الطّويل مستيقظ الأفكار مستديم التّذكار ، وقد روى أبو صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « إنّ لكلّ شيء شرّةً ، ولكلّ شرّة فترةً ، فإن كان صاحبها سدّد وقارب فارجوه ، وإن أشير إليه بالأصابع فلا تعدّوه » .
فجعل للإسلام شرّةً وهي الإيغال في الإكثار ، وجعل للشّرّة فترةً وهي الإهمال بعد الاستكثار ، فلم يخل بما أثبت من أن تكون هذه الزّيادة تقصيرًا أو إخلالًا ، ولا خير في واحد منهما .
الزّيادة على القرآن الكريم:
29 -القرآن الكريم كلام اللّه المعجز الّذي أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم وحفظه من الزّيادة والنّقص ، قال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } فالذّكر هو القرآن الكريم ، كما قال القرطبيّ ، ومعنى قوله تعالى { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } أي من أن يزاد فيه أو ينقص منه .
قال قتادة وثابت البنانيّ: حفظه اللّه من أن تزيد فيه الشّياطين باطلًا ، أو ينقص منه حقًّا ، فتولّى سبحانه حفظه فلم يزل محفوظًا ، وقال في غيره { بِمَا اسْتُحْفِظُواْ } فوكّل حفظه إليهم فبدّلوا وغيّروا . ثمّ إنّ اللّه سبحانه وتعالى وصف القرآن بأنّه عزيز ، أي ممتنع عن النّاس أن يقولوا مثله ، كما قال ابن عبّاس رضي الله عنهما . قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } ومعنى قوله تعالى: { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ } كما قال القرطبيّ نقلًا عن السّدّيّ وقتادة: أي أنّ الشّيطان لا يستطيع أن يغيّر فيه ولا يزيد ولا ينقص .
وذكر صاحب روح المعاني أنّ في قوله تعالى: { لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ } تمثيلًا لتشبيهه بشخص حمي من جميع جهاته ، فلا يمكن أعداؤه الوصول إليه ، لأنّه في حصن حصين من حماية الحقّ المبين .
مواطن البحث:
30 -يبحث عن الأحكام الخاصّة بمصطلح زيادة في الوضوء ، والتّيمّم ، والصّلاة ، والمبيع، والثّمن ، والغصب ، والشّفعة ، والرّهن ، والهبة ، والصّداق ، والتّركة ، والتّعزير، والحدّ ، والتّكليف .