التّعريف:
1 -المتحيّرة في اللغة: مشتق من مادّة حير , والتّحير: التّردد , وتحيّر الماء: اجتمع ودار , وتحيّر الرّجل: إذا ضلّ فلم يهتد لسبيله , وتحيّر السّحاب: لم يتّجه جهةً , واستحار المكان بالماء وتحيّر: تملأ .
والمتحيّرة في الاصطلاح:
قال الحنفيّة: هي من نسيت عادتها وتسمّى المضلّة والضّالّة .
وقال النّووي: ولا يطلق اسم المتحيّرة إلا على من نسيت عادتها قدرًا ووقتًا ولا تمييز لها , وأمّا من نسيت عددًا لا وقتًا وعكسها فلا يسمّيها الأصحاب متحيّرةً , وسمّاها الغزالي متحيّرةً , والأوّل هو المعروف .
وقال الحنابلة: المتحيّرة هي من نسيت عادتها ولم يكن لها تمييز .
وسمّيت المرأة في هذه الحالة متحيّرةً لتحيرها في أمرها وحيضها , وتسمّى أيضًا المحيِّرة - بكسر الياء المشدّدة - لأنّها حيّرت الفقيه في أمرها .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - المستحاضة:
2 -المستحاضة: من يسيل دمها ولا يرقأ , في غير أيّامٍ معلومةٍ , لا من عرق الحيض بل من عرقٍ يقال له: العاذل .
والمستحاضة أعم من المتحيّرة .
ب - المبتدأة:
3 -المبتدأة من كانت في أوّل حيضٍ أو نفاسٍ .
والصّلة بين المتحيّرة والمبتدأة أنّ المبتدأة قد تكون متحيّرةً .
ج - المعتادة:
4 -المعتادة: من سبق منها من حين بلوغها دم وطهر صحيحان , أو أحدهما بأن رأت دمًا صحيحًا وطهرًا فاسدًا .
أنواع المتحيّرة:
5 -الأصل أنّ المتحيّرة هي المعتادة النّاسية لعادتها - كما مرّ آنفًا في تعريف الفقهاء للمتحيّرة - لكن الشّافعيّة أطلقوا على المبتدأة إذا لم تعرف وقت ابتداء دمها متحيّرةً أيضًا . قال النّووي: اعلم أنّ حكم المتحيّرة لا يختص بالنّاسية بل المبتدأة إذا لم تعرف وقت ابتداء دمها كانت متحيّرةً وجرى عليها أحكامها .
والتّحير كما يقع في الحيض يقع في النّفاس أيضًا فيطلق على النّاسية لعادتها في النّفاس: متحيّرةً .
أوّلًا: المتحيّرة في الحيض:
6 -الأصل أنّه يجب على كلّ امرأةٍ حفظ عادتها في الحيض والطهر عددًا ومكانًا , ككونه خمسةً مثلًا من أوّل الشّهر أو آخره مثلًا .
فإذا نسيت عادتها فإنّها لا تخلو من ثلاثة أحوالٍ:
لأنّها إمّا أن تكون ناسيةً للعدد , أي عدد أيّامها في الحيض مع علمها بمكانها من الشّهر أنّها في أوّله أو آخره مثلًا , أو ناسيةً للمكان أي مكانها من الشّهر على التّعيين مع علمها عدد أيّام حيضها , أو ناسيةً للعدد والمكان , أي بأن لم تعلم عدد أيّامها ولا مكانها من الشّهر , هذا ما نصّ عليه جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة - ويعبّر الشّافعيّة عن العدد بالقدر , وعن المكان بالوقت , كما يعبّر الحنابلة عن المكان بالموضع . ويسمّي الحنفيّة حالة النّسيان في العدد والمكان إضلالًا عامًا , وحالة النّسيان في العدد فقط أو المكان فقط إضلالًا خاصًّا .
الإضلال الخاص:
أ - النّاسية للعدد فقط"الإضلال بالعدد":
7 -اختلف الفقهاء في حكم المتحيّرة النّاسية للعدد فقط , فالأصل عند الحنفيّة أنّ المتحيّرة بأنواعها تتحرّى , فإن وقع تحرّيها على طهرٍ تعطى حكم الطّاهرات , وإن كان على حيضٍ تعطى حكمه , لأنّ الظّنّ من الأدلّة الشّرعيّة , فإن لم يغلب ظنها على شيءٍ فعليها الأخذ بالأحوط في الأحكام .
ويختلف حكم المضلّة بالعدد باختلاف علمها بالمكان , فإن علمت أنّها تطهر آخر الشّهر فإنّها تصلّي إلى عشرين في طهرٍ بيقين ويأتيها زوجها , لأنّ الحيض لا يزيد على عشرةٍ , ثمّ في سبعةٍ بعد العشرين تصلّي بالوضوء - أيضًا - لوقت كلّ صلاةٍ للشّكّ في الدخول في الحيض , حيث إنّها في كلّ يومٍ من هذه السّبعة متردّدة بين الطهر والدخول في الحيض , لاحتمال أنّ حيضها الثّلاثة الباقية فقط أو شيء ممّا قبلها أو جميع العشرة , وتترك الصّلاة في الثّلاثة الأخيرة للتّيقن بالحيض , ثمّ تغتسل في آخر الشّهر غسلًا واحدًا , لأنّ وقت الخروج من الحيض معلوم لها , وإن علمت أنّها ترى الدّم إذا جاوز العشرين - أي أنّ أوّل حيضها اليوم الحادي والعشرون - فإنّها تدع الصّلاة ثلاثةً بعد العشرين , لأنّ الحيض لا يكون أقلّ من ثلاثةٍ , ثمّ تصلّي بالغسل إلى آخر الشّهر لتوهم الخروج من الحيض , وتعيد صوم هذه العشرة في عشرةٍ أخرى من شهرٍ آخر , وعلى هذا يخرج سائر المسائل .
وقال المالكيّة في المتحيّرة: سئل ابن القاسم عمّن حاضت في شهرٍ عشرة أيّامٍ , وفي آخر ستّة أيّامٍ , وفي آخر ثمانية أيّامٍ ثمّ استحيضت كم تجعل عادتها ؟ قال: لا أحفظ عنه في ذلك شيئًا , ولكنّها تستظهر على أكثر أيّامها , قال صاحب الطّرّاز: قال ابن حبيبٍ تستظهر على أقلّ أيّامها إن كانت هي الأخيرة لأنّها المستقرّة , ويقول ابن القاسم لعلّ عادتها الأولى عادت إليها بسبب زوال سدٍّ من المجاري , وقول مالكٍ الأوّل إنّها تمكث خمسة عشر يومًا , لأنّ العادة قد تنتقل .
ووضع الشّافعيّة قاعدةً للمتحيّرة النّاسية للعدد والمتحيّرة النّاسية للمكان , فقرّروا أنّ المتحيّرة إن حفظت شيئًا من عادتها ونسيت شيئًا كأن ذكرت الوقت دون القدر أو العكس , فلليقين من الحيض والطهر حكمه , وهي في الزّمن المحتمل للطهر والحيض كحائض في الوطء ونحوه , وطاهرٍ في العبادات - وسيأتي تفصيل ذلك - وإن احتمل انقطاعًا وجب الغسل لكلّ فرضٍ للاحتياط , وإن لم يحتمله وجب الوضوء فقط .