مثال الحافظة للوقت دون القدر كأن تقول: كان حيضي يبتدئ أوّل الشّهر , فيوم وليلة منه حيض بيقين , لأنّه أقل الحيض , ونصفه الثّاني طهر بيقين , لأنّ أكثر الحيض خمسة عشر , وما بين ذلك يحتمل الحيض والطهر والانقطاع .
ومثال الحافظة للقدر دون الوقت كأن تقول: حيضي خمسة في العشرة الأول من الشّهر , لا أعلم ابتداءها , وأعلم أنّي في اليوم الأوّل طاهر , فالسّادس حيض بيقين , والأوّل طهر بيقين كالعشرين الأخيرين , والثّاني إلى آخر الخامس محتمل للحيض والطهر , والسّابع إلى آخر العاشر محتمل لهما وللانقطاع .
قال النّووي: قال أصحابنا: الحافظة لقدر حيضها إنّما ينفعها حفظها , وتخرج عن التّحير المطلق إذا حفظت مع ذلك قدر الدّور وابتداءه , فإن فقدت ذلك بأن قالت: كان حيضي خمسة عشر أضللتها في دوري , ولا أعرف سوى ذلك , فلا فائدة فيما ذكرت لاحتمال الحيض والطهر والانقطاع في كلّ وقتٍ , وكذا لو قالت: حيضي خمسة عشر , وابتداء دوري يوم كذا ولا أعرف قدره , فلا فائدة فيما حفظت للاحتمال المذكور , ولها في هذين المثالين حكم المتحيّرة في كلّ شيءٍ .
وذهب الحنابلة إلى أنّ النّاسية للعدد فقط تجلس غالب الحيض إن اتّسع شهرها له , وشهر المرأة هو الزّمن الّذي يجتمع لها فيه حيض وطهر صحيحان , وأقل ذلك أربعة عشر يومًا بلياليها , يومًا بليلة للحيض - لأنّه أقله - وثلاثة عشر يومًا بلياليها للطهر - لأنّه أقله - ولا حدّ لأكثر شهر المرأة , لأنّه لا حدّ لأكثر الطهر بين الحيضتين , لحديث حمنة بنت جحشٍ رضي الله عنها قالت: « يا رسول اللّه إنّي أستحاض حيضةً شديدةً كبيرةً , قد منعتني الصّوم والصّلاة , فقال: تحيّضي ستّة أيّامٍ أو سبعة أيّامٍ في علم اللّه ثمّ اغتسلي » .
وحمنة امرأة كبيرة - قاله أحمد - ولم يسألها عن تمييزها ولا عادتها فلم يبق إلا أن تكون ناسيةً فترد إلى غالب الحيض إناطةً للحكم بالأكثر , كما ترد المعتادة لعادتها .
وإن لم يتّسع شهرها لغالب الحيض جلست الفاضل من شهرها بعد أقلّ الطهر , كأن يكون شهرها ثمانية عشر يومًا , فإنّها تجلس الزّائد عن أقلّ الطهر بين الحيضتين فقط - وهو خمسة أيّامٍ - لئلا ينقص الطهر عن أقلّه فيخرج عن كونه طهرًا , حيث إنّ الباقي من الثّمانية عشر بعد الثّلاثة عشر - وهو أقل الطهر عند الحنابلة - خمسة أيّام فتجلسها فقط , وإن جهلت شهرها جلست غالب الحيض من كلّ شهرٍ هلاليٍّ .
بـ _ النّاسية للمكان فقط"الإضلال بالمكان":
8 -سبق بيان مذهب الشّافعيّة في النّاسية للمكان فقط في الإضلال بالعدد .
وذهب الحنابلة إلى أنّ المرأة إن علمت أيّام حيضها ونسيت موضعها: بأن لم تدر أكانت تحيض في أوّل الشّهر أو وسطه أو آخره , فإنّها تجلس أيّام حيضها من أوّل كلّ شهر هلاليٍّ , لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل حيضة حمنة من أول الشهر والصلاة في بقيته , ولأن دم الحيض جبلة , والاستحاضة عارضة , فإذا رأته وجب تقديم دم الحيض . وإن علمت المستحاضة عدد أيامها في وقت من الشهر ونسيت موضعها , بأن لم تدر أهي في أوله أم آخره , فإنها لا تخلو: إما أن تكون أيامها نصف الوقت الذي علمت أن حيضها فيه أو أقل , أو أكثر , فإن كانت أيامها نصف الوقت الذي علمت أن حيضها فيه فأقل فحيضها من أولها , كأن تعلم أن حيضها كان في النصف الثاني من الشهر , فإنها تجلس من أوله , وعلى هذا الأكثر , وهناك وجه أنها تتحرى , وليس لها حيض بيقين بل حيضها مشكوك فيه , وإن زادت أيامها على النصف , مثل أن تعلم أن حيضها ستة أيام من العشر الأول , من الشهر ضم الزائد إلى النصف - وهو في المثال يوم - إلى مثله مما قبله - وهو يوم - فيكونان حيضًا بيقين , وهما اليوم الخامس والسادس في هذا المثال ثم يبقى لها أربعة أيام تتمة عادتها , فإن جلستها من الأول على قول الأكثر كان حيضها من أول العشرة إلى آخر السادس , منها يومان هما الخامس والسادس حيض بيقين .
والأربعة حيض مشكوك فيه , والأربعة الباقية طهر مشكوك فيه , وإن جلست بالتحري على الوجه المقابل لقول الأكثر فأداها اجتهادها إلى أنها من أول العشرة فهي كالتي ذكرنا , وإن جلست الأربعة من آخر العشرة كانت الأربعة حيضا مشكوكًا فيه , واليومان قبلها حيض بيقين , والأربعة الأول طهر مشكوك فيه , وإن قالت: حيضتي سبعة أيام من العشرة , فقد زادت أيامها يومين على نصف الوقت فتضمهما إلى يومين قبلهما فيصير لها أربعة أيام حيضًا بيقين , من أول الرابع إلى آخر السابع , ويبقى لها ثلاثة أيام تجلسها من أول العشرة أو بالتحري على الوجهين , وهي حيض مشكوك فيه كما تقدم .
والناسية للمكان فقط عند الحنفية لا تخلو: إما أن تضل أيامها في ضعفها أو أكثر , أو في أقل من ضعفها , فإن أضلت أيامها في ضعفها أو أكثر فلا تيقن في يوم منها بحيض , كما إذا كانت أيامها ثلاثة فأضلتها في ستة أو أكثر , وإن أضلت أيامها في أقل من الضعف فإنها تيقن بالحيض في يوم أو أيام , كما إذا أضلت ثلاثة في خمسة فإنها تيقن بالحيض في اليوم الثالث من الخمسة , فإنه أول الحيض أو آخره أو وسطه بيقين فتترك الصلاة فيه .