فهرس الكتاب

الصفحة 1217 من 2053

سترة المصلّي *

التّعريف:

1 -السّترة بالضّمّ مأخوذة من السّتر ، وهي في اللّغة ما استترت به من شيء كائنًا ما كان، وكذا السّتار والسّتارة ، والجمع: السّتائر والسّتر ، ويقال: ستره سَتْرًا وسَتَرًا: أخفاه . وسترة المصلّي في الاصطلاح: هي ما يغرز أو ينصب أمام المصلّي من عصا أو غير ذلك ، أو ما يجعله المصلّي أمامه لمنع المارّين بين يديه .

وعرّفها البهوتيّ: بأنّها ما يستتر به من جدار أو شيء شاخص ... أو غير ذلك يصلّى إليه. وجميع هذه التّعريفات متقاربة .

الحكم التّكليفيّ:

2 -يسنّ للمصلّي إذا كان فذًّا"منفردًا"أو إمامًا أن يتّخذ أمامه سترةً تمنع المرور بين يديه ، وتمكّنه من الخشوع في أفعال الصّلاة ، وذلك لما ورد عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إذا صلّى أحدكم فليصلّ إلى سترة ، وليدن منها ، ولا يدع أحدًا يمرّ بين يديه » . ولقوله صلى الله عليه وسلم: « ليستتر أحدكم في صلاته ولو بسهم » ، وهذا يشمل السّفر والحضر ، كما يشمل الفرض والنّفل .

والمقصود منها كفّ بصر المصلّي عمّا وراءها ، وجمع الخاطر بربط خياله كي لا ينتشر ، ومنع المارّ كي لا يرتكب الإثم بالمرور بين يديه .

والأمر في الحديث للاستحباب لا للوجوب ، قال ابن عابدين: صرّح في المنية بكراهة تركها، وهي تنزيهيّة ، والصّارف للأمر عن حقيقته ما رواه أبو داود عن الفضل بن العبّاس رضي الله عنهما: قال « أتانا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ونحن في بادية لنا فصلّى في صحراء ليس بين يديه سترة » .

ومثله ما ذكره الحنابلة قال البهوتيّ: وليس ذلك بواجب لحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى في فضاء ليس بين يديه شيء » هذا ، ويستحبّ ذلك عند الحنفيّة والمالكيّة في المشهور ، للإمام والمنفرد إذا ظنّ مرورًا بين يديه ، وإلاّ فلا تسنّ السّترة لهما . ونقل عن مالك الأمر بها مطلقًا ، وبه قال ابن حبيب واختاره اللّخميّ .

أمّا الشّافعيّة فأطلقوا القول بأنّها سنّة ، ولم يذكروا قيدًا .

وقال الحنابلة: تسنّ السّترة للإمام والمنفرد ولو لم يخش مارًّا .

أمّا المأموم فلا يستحبّ له اتّخاذ السّترة اتّفاقًا ، لأنّ سترة الإمام سترة لمن خلفه ، أو لأنّ الإمام سترة له ، على اختلاف عند الفقهاء . وسيأتي تفصيله .

ما يجعل سترةً:

3 -اتّفق الفقهاء على أنّه يصحّ أن يستتر المصلّي بكلّ ما انتصب من الأشياء كالجدار والشّجر والأسطوانة والعمود ، أو بما غرز كالعصا والرّمح والسّهم وما شاكلها ، وينبغي أن يكون ثابتًا غير شاغل للمصلّي عن الخشوع .

واستثنى المالكيّة الاستتار بحجر واحد وقالوا: يكره به مع وجود غيره لشبهه بعبادة الصّنم، فإن لم يجد غيره جاز ، كما يجوز بأكثر من واحد .

أمّا الاستتار بالآدميّ أو الدّابّة أو الخطّ أو نحوها فللفقهاء في ذلك تفصيل وخلاف ، وبيانه فيما يلي:

أ - الاستتار بالآدميّ:

4 -ذهب جمهور الفقهاء: الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة ، وهو قول عند الشّافعيّة إلى صحّة الاستتار بالآدميّ في الصّلاة ، وذلك في الجملة ، لكنّهم اختلفوا في التّفاصيل .

فقال الحنفيّة والمالكيّة: يصحّ أن يستتر بظهر كلّ رجل قائم أو قاعد ، لا بوجهه ، ولا بنائم، ومنعوا الاستتار بالمرأة غير المحرم .

أمّا ظهر المرأة المحرم فاختلف الحنفيّة في جواز الاستتار به ، كما ذكر المالكيّة فيه قولين أرجحهما عند المتأخّرين الجواز .

والأوجه عند الشّافعيّة عدم الاكتفاء بالسّترة بالآدميّ ، ولهذا قرّروا أنّ بعض الصّفوف - لا يكون سترةً لبعض آخر .

وفصّل بعضهم فقالوا: لو كانت السّترة آدميًّا أو بهيمةً ولم يحصل بسبب ذلك اشتغال ينافي خشوعه فقيل يكفي ، وإن حصل له الاشتغال لا يعتدّ بتلك السّترة .

أمّا الحنابلة فقد أطلقوا جواز الاستتار بآدميّ غير كافر .

وأمّا الصّلاة إلى وجه الإنسان فتكره عند الجميع ، لما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: « كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي وسط السّرير وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة ، تكون لي الحاجة فأكره أن أقوم فأستقبله ، فأنسلّ انسلالًا » .

وروي أنّ عمر رضي الله عنه أدّب على ذلك .

ب - الاستتار بالدّابّة:

5 -ذهب الحنفيّة والحنابلة إلى جواز الاستتار بالدّابّة مطلقًا ، قال المقدسيّ في الشّرح الكبير على المقنع: لا بأس أن يستتر ببعير أو حيوان ، فعله ابن عمر وأنس رضي الله تعالى عنهما ، لما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى إلى بعير » .

ومنع المالكيّة الاستتار بالدّابّة ، إمّا لنجاسة فضلتها كالبغل والحمار ونحوهما ، وإمّا لعدم ثباتها كالشّاة ، وإمّا لكلتا العلّتين كالفرس .

وقالوا: إن كانت فضلتها طاهرةً وربطت جاز الاستتار بها .

أمّا الشّافعيّة فالأوجه عندهم أنّه لا يجوز الاستتار بالدّابّة كما لا يجوز بالإنسان .

ولأنّه لا يؤمن أن يشتغل به فيتغافل عن صلاته . وفي قول عندهم: يجوز الاستتار بالبهيمة.

قال محمّد الرّمليّ: أمّا الدّابّة ففي الصّحيحين أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يفعله ، وكأنّه لم يبلغ الشّافعيّ ، ويتعيّن العمل به ، وحمل بعضهم المنع على غير البعير .

ج - التّستّر بالخطّ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت