التّعريف:
1 -السّائبة من السّيب ، ومن معانيه في اللّغة الجري بسرعة ، والإهمال والتّرك . وسيّب الشّيء: تركه . والسّائبة: العبد يعتق على أن لا ولاء لمعتقه عليه .
وكذلك السّائبة: البعير يدرك نتاج نتاجه فيسيّب ولا يركب ولا يحمل عليه عندهم .
والسّائبة أيضًا النّاقة الّتي كانت تسيّب في الجاهليّة لنذر ونحوه ، وكان الرّجل في الجاهليّة إذا قدم من سفر بعيد ، أو برئ من علّة ، أو نجّته دابّة من مشقّة أو حرب قال: ناقتي سائبة ، أي تسيّب ، فلا ينتفع بظهرها ، ولا تحلّأ ( لا تطرد ) عن ماء ، ولا تمنع من كلأ ولا تركب .
والفقهاء يستعملون اللّفظ بالمعنيين: عتق العبد ولا ولاء له .
وتسييب الدّابّة بمعنى رفع يده عنها وتركها على سبيل التّديّن .
الأحكام المتعلّقة بالسّائبة:
2 -تختلف الأحكام المتعلّقة بتسييب السّوائب باختلاف موضوعها .
فقد يكون التّسييب واجبًا ، كما لو أحرم شخص وفي يده صيد فإنّه يجب عليه إرساله .
وقد يكون مباحًا ، كإرسال الصّيد عند من يقول بإباحة إرساله .
وقد يكون حرامًا ، كتسييب الدّابّة .
وقد يكون مكروهًا ، كعتق العبد سائبةً كما يقول المالكيّة .
أوّلًا: عتق العبد سائبةً:
3 -من ألفاظ العتق ما هو صريح في العتق كقول السّيّد لعبده: أنت عتيق ، أو أعتقتك ، ومنها ما هو كناية يحتاج إلى نيّة ، ومن ذلك لفظ ( سائبة ) فمن قال لعبده: أنت سائبة ، فلا يعتق إلاّ إذا نوى العتق .
وقد اختلف الفقهاء إذا أعتق العبد سائبةً لمن يكون الولاء ؟
فذهب الحنفيّة والشّافعيّة وهو المذهب عند الحنابلة وابن نافع من المالكيّة ومال إليه ابن العربيّ إلى أنّ الولاء يكون لمعتقه ، حتّى ولو شرط أن لا ولاء له عليه فإنّ الشّرط باطل لأنّه مخالف للنّصّ . واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « الولاء لمن أعتق » . وقوله: « الولاء بمنزلة النّسب » .
فكما أنّه لا يزول نسب إنسان ولا ولد عن فراش بشرط ، لا يزول ولاء عن عتيق بالشّرط ، ولذلك « لمّا أراد أهل بريرة أن يشترطوا على عائشة رضي الله تعالى عنها ولاء بريرة إذا عتقت قال صلى الله عليه وسلم: اشتريها واشترطي لهم الولاء ، فإنّما الولاء لمن أعتق » ، وبهذا أيضًا قال النّخعيّ والشّعبيّ وابن سيرين وراشد بن سعد وضمرة بن حبيب ، وعلى هذا فإنّ معتقه . هو الّذي يرثه إن لم يكن له وارث ، قال سعيد: حدّثنا هشيم عن منصور أنّ عمر وابن مسعود قالا في ميراث السّائبة هو للّذي أعتقه .
وقال المالكيّة وهو المنصوص عن أحمد: إنّ من أعتق عبده سائبةً لا يكون لمعتقه الولاء ، قال المالكيّة: ويكون ولاؤه للمسلمين يرثونه ويعقلون عنه ، ويكون عقد نكاحها إن كانت أنثى - وهو قول عمر بن عبد العزيز والزّهريّ ومكحول وأبي العالية .
وقال أحمد: إن مات العتيق وخلّف مالًا ولم يدع وارثًا اشتري بماله رقاب فأعتقوا ، وقد أعتق ابن عمر عبدًا سائبةً فمات فاشترى ابن عمر بماله رقابًا فأعتقهم .
وعن عطاء قال: كنّا نعلم أنّه إذا قال: أنت حرّ سائبة فهو يوالي من شاء .
ثانيًا: تسييب الدّوابّ:
4 -الأصل أنّ تضييع المال حرام ، وقد أبطل اللّه سبحانه وتعالى ما كان يفعله أهل الجاهليّة من تسييب دوابّهم وتحريم الانتفاع بها وجعلها لآلهتهم ، وعاب عليهم ذلك ، قال اللّه تعالى: { مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } ، وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: رأيت عمرو بن عامر الخزاعيّ يجرّ قصبه أمعاءه في النّار وكان أوّل من سيّب السّوائب » .
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ تسييب البهائم بمعنى تخليتها ورفع المالك يده عنها حرام ، لما فيه من تضييع المال والتّشبّه بأهل الجاهليّة ، والواجب على من ملك بهيمةً أن ينفق عليها ما تحتاجه من علف وسقي ، أو إقامة من يرعاها ، أو تخليتها لترعى حيث تجد ما يكفيها ، لما روى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « دخلت امرأة النّار في هرّة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض » .
فإن امتنع من علفها أجبره الحاكم على ذلك ، فإن أبى أو عجز أجبر على بيعها أو ذبحها إن كانت ممّا تؤكل ، وهذا عند جمهور الفقهاء .
وفي ظاهر الرّواية عند الحنفيّة يجبر على الإنفاق ديانةً ولا يجبر قضاءً .
ومن سيّب دابّته فلا يزول ملكه عنها . وهذا في الجملة .
ومن سيّب دابّته فأخذها إنسان فأصلحها ثمّ جاء صاحبها . قال الحنفيّة: هذا على وجهين:
أحدهما أن يقول عند التّسييب: جعلتها لمن أخذها ، فحينئذ لا سبيل لصاحبها عليها لأنّه أباح التّملّك ، وفي القياس تكون لصاحبها .
والثّاني: إن كان سيّبها ولم يقل شيئًا ، فإنّ صاحبها له أن يأخذها ممّن أصلحها ، لأنّه لو جاز تملّك من وجدها وأصلحها من غير قول المالك هي لمن أخذها ، لجاز ذلك في الجارية والعبد يتركه مريضًا في أرض مهلكة ، فيأخذه رجل فينفق عليه فيبرأ فيصير ملكًا له ، ويطأ الجارية ويعتق العبد بلا شراء ولا هبة ولا إرث ولا صدقة ، وهذا أمر قبيح .
وقال الحنابلة: من ترك دابّته بمهلكة فأخذها إنسان فأطعمها وسقاها وخلّصها ملكها ، وبهذا قال اللّيث وإسحاق ، وذلك لما روى الشّعبيّ مرفوعًا أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « من وجد دابّةً قد عجز عنها أهلها أن يعلفوها فسيّبوها فأخذها فأحياها فهي له » .