التّعريف:
1 -التّحيّة مصدر حيّاه يحيّيه تحيّةً ، أصله في اللّغة: الدّعاء بالحياة ، ومنه"التّحيّات للّه"أي البقاء ، وقيل: الملك ، ثمّ كثر حتّى استعمل في ما يحيّا به من سلام ونحوه ، وتحيّة اللّه الّتي جعلها في الدّنيا والآخرة لمؤمني عباده السّلام ، فقد شرع لهم إذا تلاقوا ودعا بعضهم لبعض بأجمع الدّعاء أن يقولوا: السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته . قال اللّه تعالى: { وإذا حُيِّيتُم بِتحيّةٍ فحيّوا بأحسنَ منها أو رُدُّوها } .
واستعمل الفقهاء عبارة ( التّحيّة ) في غير السّلام لتحيّة المسجد .
الحكم الإجماليّ ومواطن البحث:
2 -حكم التّحيّة النّدب بلا خلاف بين جمهور الفقهاء ، وهي تختلف في الأداء كما يلي:
أ - التّحيّة بين الأحياء:
3 -أجمع العلماء على أنّ الابتداء بالسّلام سنّة مرغّب فيها ، وردّه فريضة لقوله تعالى:
{ وإذا حُيِّيتُم بتحيّةٍ فَحَيُّوا بأحسنَ منها أو رُدُّوها } . وللتّفصيل ر: ( سلام ) .
ب - تحيّة الأموات:
4 -تحيّة من في القبور السّلام ، فإذا مرّ المسلم بالقبور أو زارها استحبّ أن يقول ما ورد وهو: « السّلام عليكم أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين ، وإنّا إن شاء اللّه بكم لَلاحقون ، نسأل اللّه لنا ولكم العافية » وفي حديث عائشة: « ويرحم اللّه المستقدمين منّا ، والمستأخرين » .
ج - تحيّة المسجد:
5 -يرى جمهور الفقهاء أنّه يسنّ لكلّ من يدخل مسجدًا غير المسجد الحرام - يريد الجلوس به لا المرور فيه ، وكان متوضّئًا - أن يصلّي ركعتين أو أكثر قبل الجلوس . والأصل فيه حديث رواه أبو قتادة رضي الله عنه: « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتّى يركع ركعتين » ومن لم يتمكّن منهما لحدث أو غيره يقول ندبًا: سبحان اللّه ، والحمد للّه ، ولا إله إلاّ اللّه ، واللّه أكبر ، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم . فإنّها تعدل ركعتين كما في الأذكار ، وهي الباقيات الصّالحات ، والقرض الحسن . ويسنّ لمن جلس قبل الصّلاة أن يقوم فيصلّي ، لما روى جابر رضي الله عنه قال: « جاء سليك الغطفانيّ ، ورسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقال: يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوّز فيهما » فإنّها لا تسقط بالجلوس .
كما أنّه لا خلاف بينهم في أنّ تحيّة المسجد تتأدّى بفرض أو نفل .
6-وأمّا إذا تكرّر دخوله ، فذهب الحنفيّة والمالكيّة - إن قرب رجوعه له عرفًا - والشّافعيّة في قول مقابل الأصحّ عندهم: إلى أنّه تكفيه لكلّ يوم مرّةً .
والأصحّ عند الشّافعيّة تكرّر التّحيّة بتكرّر الدّخول على قرب كالبعد .
وإذا كانت المساجد متلاصقةً ، فتسنّ التّحيّة لكلّ واحد منها .
7 -وكذلك اختلف الفقهاء بالنّسبة لمن دخل المسجد والإمام يخطب: فذهب الحنفيّة والمالكيّة إلى أنّه يجلس ويكره له أن يركع ركعتين ، لقوله تعالى: { فاستمِعُوا له وأَنْصِتُوا } ، والصّلاة تفوّت الاستماع والإنصات ، فلا يجوز ترك الفرض لإقامة السّنّة ، وإليه ذهب شريح ، وابن سيرين والنّخعيّ وقتادة والثّوريّ واللّيث .
وذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يركع ركعتين يوجز فيهما ، لحديث سليك الغطفانيّ المتقدّم . وبهذا قال الحسن وابن عيينة ومكحول وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر .
د - تحيّة الكعبة:
8 -إذا وصل المحرم مكّة ودخل المسجد ورأى البيت ، يرفع يديه ويقول: « اللّهمّ زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً ، وزد من شرّفه وعظّمه ممّن حجّه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا » . لحديث رواه الشّافعيّ والبيهقيّ ويقول: « اللّهمّ أنت السّلام ، ومنك السّلام فحيّنا ربّنا بالسّلام » . وعند الحنفيّة يقول ذلك ، ولكن لا يرفع يديه .
هـ - تحيّة المسجد الحرام:
9 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ تحيّة المسجد الحرام الطّواف للقادم لمكّة ، سواء كان تاجرًا أو حاجًّا أو غيرهما ، لقول عائشة رضي الله عنها عنها: « إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدم مكّة توضّأ ، ثمّ طاف بالبيت » وركعتا تحيّة المسجد الحرام تجزئ عنهما الرّكعتان بعد الطّواف .
إلاّ إذا كان للدّاخل فيه عذر مانع ، أو لم يرد الطّواف ، فيصلّي ركعتين إن لم يكن وقت كراهة . وإذا خاف فوات المكتوبة أو جماعتها ، أو الوتر ، أو سنّةً راتبةً قدّمها على الطّواف ، إلاّ أنّه لا تحصل بها تحيّة المسجد الحرام ، بخلاف سائر المساجد .
10 -وأمّا المكّيّ الّذي لم يؤمر بطواف ، ولم يدخله لأجل الطّواف ، بل للصّلاة أو لقراءة القرآن أو للعلم ، فتحيّة المسجد الحرام في حقّه الصّلاة ، كتحيّة سائر المساجد . ونصّ أحمد على أنّ الطّواف لغريب أفضل من الصّلاة في المسجد الحرام .
وعن ابن عبّاس: أنّ الطّواف لأهل العراق ، والصّلاة لأهل مكّة ، وإليه ذهب عطاء .
وينظر للتّفصيل مصطلح: ( طواف ) .
و - تحيّة المسجد النّبويّ:
11 -اتّفق الفقهاء على أنّ من دخل المسجد النّبويّ يستحبّ له أن يقصد الرّوضة إن تيسّر له - وهي ما بين القبر والمنبر - ويصلّي ركعتين تحيّة المسجد بجنب المنبر ، لحديث جابر قال: « جاء سليك ... » ثمّ يأتي قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم ويقول: السّلام عليك يا رسول اللّه، ثمّ يسلّم على أبي بكر رضي الله عنه ، ثمّ على عمر رضي الله عنه .
حكم التّحيّة بغير السّلام للمسلم: