التّعريف:
1 -المنبر في اللغة: مرقاة يرتقيها الخطيب أو الواعظ ليخاطب الجمع ، مشتق من النّبر وهو الارتفاع ، وسمّي منبرًا لارتفاعه وعلوّه ، ويقال: انتبر الخطيب أي: ارتقى المنبر . ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ .
منبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم:
2 -قال العلماء: إنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم اتّخذ منبره سنة سبع من الهجرة وقيل: ثمان من الهجرة .
والأصل في ذلك ما رواه سهل بن سعد رضي الله عنه « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أرسل إلى امرأة من الأنصار: مري غلامك النّجّار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهنّ إذا كلّمت النّاس » ، يقول البهوتيّ: وفي الصّحيح « أنّه عمل من أثل الغابة ، فكان يرتقي عليه » . قال: وكان ثلاث درج ، « وكان النّبي صلى الله عليه وسلم يجلس على الدّرجة الثّالثة الّتي تلي مكان الاستراحة » ، ثمّ وقف أبو بكر رضي الله تعالى عنه على الثّانية ، ثمّ عمر رضي الله تعالى عنه على الأولى تأدبًا ، ثمّ وقف عثمان رضي الله عنه مكان أبي بكر رضي اللّه عنه ، ثمّ عليّ رضي الله تعالى عنه موقف النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، ثمّ قلعه مروان بن الحكم أمير المدينة في زمن معاوية وزاد فيه ستّ درج ، فكان الخلفاء يرتقون ستًا ، ويقفون مكان عمر رضي الله عنه ، أي: على السّابعة ولا يتجاوزون ذلك تأدبًا .
الأحكام المتعلّقة بالمنبر:
أ - اتّخاذ المنبر وموقعه:
3 -ذهب الفقهاء إلى أنّ اتّخاذ المنبر سنّة مجمع عليها ، كما أنّه يسن أن تكون الخطبة على المنبر ، وكذلك الجلوس على المنبر قبل الشّروع في الخطبة .
ويستحب أن يكون المنبر على يمين المحراب بالنّسبة للمصلّين .
وزاد الشّافعيّة فقالوا: ويكره المنبر الكبير جدًا الّذي يضيق على المصلّين إذا لم يكن المسجد متّسعًا .
والتّفصيل في ( خطبة ف / 10 ) .
ب - تسليم الخطيب على النّاس إذا صعد المنبر:
4 -ذهب الشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يستحب للخطيب إذا صعد المنبر فاستقبل الحاضرين أن يسلّم عليهم ، واحتجوا بما رواه جابر رضي الله عنه قال: « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلّم » ، ورواه الأثرم عن أبي بكر وعمر وابن مسعود والزبير رضي الله عنهم ، ورواه البخاري عن عثمان رضي الله عنه ، وفعله عمر بن عبد العزيز ، وبه قال الأوزاعي ، ولأنّه استقبال بعد استدبار ، فأشبه من فارق قومًا ثمّ عاد إليهم . وأضاف الشّافعيّة أن يسلّم على من عند المنبر ندبًا إذا انتهى إليه .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يسن السّلام بعد الصعود على المنبر .
وقال المالكيّة: يندب أن يسلمّ الخطيب عند خروجه ليرقى المنبر ، فإذا انتهى من صعوده فلا يندب بل يكره ، ولا يجب رده لأنّ المعدوم شرعًا كالمعدوم حسًا ، خلافًا للقرافيّ الّذي أوجب ردّه .
ج - نزول الإمام عن المنبر للحاجة:
5 -نصّ الشّافعيّة على أنّه لا بأس أن ينزل الإمام عن المنبر للحاجة قبل أن يتكلّم ثمّ يعود إليه .
واستدلوا بما ورد: « أنّه لمّا وضع المنبر وضعوه موضعه الّذي هو فيه ، فلمّا أراد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يقوم إلى المنبر مرّ إلى الجذع الّذي كان يخطب إليه ، فلمّا جاوز الجذع خار حتّى تصدّع وانشقّ ، فنزل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لمّا سمع صوت الجذع فمسحه بيده حتّى سكن ، ثمّ رجع إلى المنبر » ، وفي حديث: « فاعتنقها فسكتت » .
قال الشّافعي: وإن نزل عن المنبر بعد ما تكلّم استأنف الخطبة ، لأنّ الخطبة لا تعد خطبةً إذا فصل بينها بنزول يطول ، أو بشيء يكون قاطعًا لها .
د - صلاة ركعتين عند منبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم:
6 -نصّ بعض الفقهاء على أنّ زائر قبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي تحيّة المسجد عند منبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم ركعتين يقف بحيث يكون عمود المنبر بحذاء منكبه الأيمن إن أمكنه ، وهو موقفه عليه الصلاة والسلام قبل أن يغيّر المسجد ، وهو بين قبره ومنبره ، ويجتهد أن يحيي ليله مدّة مقامه بقراءة القرآن وذكر اللّه والدعاء عند المنبر وبينهما سرًا وجهرًا لحديث: « ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة » .
ويقف عند المنبر ويدعو .
ففي الحديث: « قوائم منبري رواتب في الجنّة » وفي رواية: « منبري على ترعة من ترع الجنّة » ، وكان السّلف يستحبون أن يضع أحدهم يده على رمّانة المنبر النّبويّ الّتي كان النّبي عليه الصلاة والسلام يضع يده الكريمة عليها عند الخطبة .
هـ - الدعاء على المنبر والتّأمين عليه:
7 -نصّ بعض الفقهاء على أنّه إذا دعا المذكّر على المنبر دعاءً مأثورًا ، والقوم يدعون معه ذلك ، فإن كان لتعليم القوم فلا بأس به ، وإن لم يكن لتعليم القوم فهو مكروه .
و - إخراج المنبر إلى الجبّانة وبناؤه:
8 -نصّ الحنفيّة على أنّه لا يخرج المنبر إلى الجبانة"المصلّى العامّ في الصّحراء"، لما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ، وقد صحّ « أنّه صلى الله عليه وسلم خطب يوم النّحر على ناقته » وبه جرى التّوارث من لدن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى يومنا هذا ، وقد عاب النّاس على مروان بن الحكم إخراجه المنبر في العيدين ، ونسبوه إلى خلاف السنّة .
وأمّا بناء المنبر في الجبّانة فذهب الحنفيّة في الصّحيح من المذهب والمالكيّة في قول إلى الجواز .
قال الحنفيّة: ولهذا اتّخذوا في المصلّى منبرًا على حدة من اللّبن والطّين ، واتّباع ما اشتهر به العمل في النّاس واجب .
وفي قول عند بعض الحنفيّة كراهة بناء المنبر في الجبّانة"المصلّى العامّ في الصّحراء".