التّعريف:
1 -للتّخصّر في اللّغة معان ، منها: أنّه وضع اليد على الخصر ، ومثله الاختصار . والخصر من الإنسان: وسطه وهو المستدقّ فوق الوركين ، والجمع خصور ، مثل فلس وفلوس . والخصران والخاصرتان: معروفان .
والاختصار والتّخصّر: أن يضع الرّجل يده على خصره في الصّلاة أو غيرها من الاتّكاء على المخصرة ، وهي: ما يتوكّأ عليه من عصًا ونحوها . وفي رواية عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم « أنّه نهى أن يصلّي الرّجل مختصرًا ومتخصّرًا » .
قيل: هو من المخصرة ، وقيل: معناه أن يصلّي الرّجل وهو واضع يده على خاصرته ، وجاء في الحديث: « الاختصار في الصّلاة راحة أهل النّار » أي أنّه فعل اليهود في صلاتهم . وهم أهل النّار قال ابن منظور: ليس الرّاحة المنسوبة لأهل النّار هي راحتهم في النّار ، إذ لا راحة لهم فيها ، وإنّما هي راحتهم في صلاتهم في الدّنيا . يعني أنّه إذا وضع يده على خصره كأنّه استراح بذلك ، وسمّاهم أهل النّار لمصيرهم إليها ، لا لأنّ ذلك راحتهم في النّار . وهو: أي التّخصّر في الاصطلاح لا يخرج عن ذلك .
الحكم الإجماليّ:
2 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ التّخصّر في الصّلاة مكروه ، أي تنزيهًا .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه مكروه تحريمًا ، لمنافاته هيئة الصّلاة المأثورة ، والتّشبّه بالجبابرة ، وقد نهى النّبيّ صلى الله عليه وسلم عن ذلك . روى أبو هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم « نهى أن يصلّي الرّجل مختصرًا » وعنه رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم نهى عن الخصر في الصّلاة » والمراد وضع اليد على الخاصرة . وفي رواية: « نهى أن يصلّي الرّجل متخصّرًا » - بتشديد الصّاد - وهو أن يضع يده على خاصرته - وهو يصلّي - ما لم تكن به حاجة تدعو إلى وضعها . فإن كان به عذر كمن وضع يده على خاصرته لوجع في جنبه أو تعب في قيام اللّيل ، فتخصّر ، جاز له ذلك في حدود ما تقتضي به الحاجة ، ويقدّر ذلك بقدرها .
وفيه ورد حديث: « المتخصّرون يوم القيامة على وجوههم النّور » . وقال ثعلب: أي المصلّون باللّيل ، فإذا تعبوا وضعوا أيديهم على خواصرهم . وتابعه صاحب القاموس ففسّر الحديث بغير ذلك . وروى أبو داود والنّسائيّ من طريق سعيد بن زياد قال: « صلّيت إلى جنب ابن عمر فوضعت يديّ على خاصرتيّ . فلمّا صلّى قال: هذا . الصّلب في الصّلاة ، وكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ينهى عنه » .
وأمّا التّخصّر خارج الصّلاة فقد جاء في تنوير الأبصار وشرحه: أنّه مكروه تنزيهًا .
لأنّه فعل المتكبّرين ( ر: الصّلاة: مكروهات الصّلاة ) .
وأمّا الاختصار بمعنى الاتّكاء في الصّلاة على المخصرة أو غيرها فقد سبق تفصيل حكمه في مصطلح ( استناد ) .
الاتّكاء على المخصرة ونحوها في خطبة الجمعة:
3 -توكّؤ الخطيب على المخصرة في حال خطبة الجمعة مندوب عند المالكيّة ، وهو أيضًا من سنن الخطبة عند الشّافعيّة والحنابلة . ويجعلها بيمينه عند المالكيّة ، ويستحبّ عند الشّافعيّة أن يجعلها في يده اليسرى كعادة من يريد الضّرب بالسّيف والرّمي بالقوس ، ويشغل يده اليمنى بحرف المنبر .
وجاء في كشّاف القناع من كتب الحنابلة: أن يجعلها بإحدى يديه ، إلاّ أنّ صاحب الفروع ذكر أنّه يتوجّه باليسرى ويعتمد بالأخرى على حرف المنبر ، فإن لم يجد شيئًا يعتمد عليه ، فقد ذكر الشّافعيّة أنّه يجعل اليمنى على اليسرى أو يرسلهما ولا يعبث بهما .
وذهب الحنفيّة - كما جاء في الفتاوى الهنديّة - إلى كراهة اتّكاء الخطيب على قوس أو عصًا في أثناء الخطبة من يوم الجمعة ، وإنّما يتقلّد الخطيب السّيف في كلّ بلدة فتحت به . ومثل العصا عند المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة: القوس والسّيف ، والعصا أولى من القوس والسّيف عند المالكيّة ، والمراد بالقوس كما جاء في الدّسوقيّ قوس النّشاب ، وهي القوس العربيّة لطولها واستقامتها ، لا العجميّة لقصرها وعدم استقامتها .
واستدلّ المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على ما ذهبوا إليه من اتّكاء الخطيب على المخصرة في حال الخطبة من يوم الجمعة بما رواه أبو داود عن الحكم بن حزن: قال: « وفدت على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فشهدنا معه الجمعة ، فقام متوكّئًا على سيف أو قوس أو عصا مختصرًا » . قال مالك: وذلك ممّا يستحبّ للأئمّة أصحاب المنابر أن يخطبوا يوم الجمعة ومعهم العصا ، يتوكّئون عليها في قيامهم ، وهو الّذي رأينا وسمعنا .