التّعريف:
1 -الشّروع مصدر شرع . يقال: شرعت في الأمر أشرع شروعًا ، أخذت فيه ، وشرعت في الماء شروعًا شربت بكفّيك أو دخلت فيه ، وشرعت المال - أي الإبل - أشرعه: أوردته الشّريعة ، وشرع الباب إلى الطّابق شروعًا: اتّصل به ، وطريق شارع يسلكه النّاس عامّةً ، وأشرعت الجناح إلى الطّريق: وضعته .
ومنه: شرع اللّه الدّين ، أي سنّه وبيّنه ، ومنه الشّريعة وهي ما شرعه اللّه لعباده من العقائد والأحكام .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحيّ عن معناه اللّغويّ .
الأحكام المتعلّقة بالشّروع:
الشّروع في العبادات:
2 -اتّفق الفقهاء على أنّ الشّروع في العبادات يتحقّق بالفعل مقرونًا بالنّيّة حقيقةً أو حكمًا بحسب كلّ عبادة ، فعلى سبيل المثال يكون الشّروع في الصّلاة بتكبيرة الإحرام مقرونةً بالنّيّة ، والصّوم يكون الشّروع فيه بالنّيّة والإمساك .
( انظر مصطلح: عبادة ، نيّة ، صلاة ، صوم ، حجّ ، جهاد ، ذكر ) .
الشّروع في المعاملات:
3 -يتحقّق الشّروع في المعاملات: بالقول ، أو ما يقوم مقامه وينوب عنه من: المعاطاة عند من يقول بها ، أو الكتابة ، أو الإشارة .
ولا تعدّ النّيّة هنا شروعًا في البيع ، أو النّكاح ، أو الإجارة ، أو الهبة ، أو الوقف ، أو الوصيّة ، أو العاريّة ، أو غيرها من أصناف المعاملات ، لأنّنا لا نعلم القصد المنويّ . فهذه المعاملات مبنيّة على الإيجاب والقبول ، فإيجاب الموجب بقوله:"بعتك كذا وكذا"شروع في البيع ، فإذا قبل البائع هذا الإيجاب تمّ البيع .
الشّروع في الجنايات:
4 -يتحقّق الشّروع في الجنايات والحدود: بالفعل لا بالقول ، ولا بالنّيّة .
ما يجب إتمامه بالشّروع:
4 م - ما أوجبه اللّه - سبحانه وتعالى - على المكلّف ، إذا شرع فيه وجب عليه إتمامه باتّفاق، ولا يجوز له قطعه أو الانصراف عنه إلاّ بعد إتمامه .
ويستثنى من ذلك حالة الضّرورة الّتي تمنع من إتمامه ، كأن ينتقض وضوء المصلّي ، أو يغمى عليه ، أو تحيض المرأة أثناء الصّلاة ، أو غير ذلك ممّا يعوق المكلّف عن الإتمام .
انظر مصطلح ( استئناف ، حيض ، صلاة ) .
ومثل الصّلاة كلّ مفروض من: صيام أو زكاة ، أو حجّ ، إذا شرع فيه وجب إتمامه ، ويأثم بتركه ، وقد يجلب عليه العقاب في الدّنيا ، كالكفّارة لمن أفطر متعمّدًا في رمضان بدون عذر ، ولزوم الهدي لمن أفسد حجّه أو عمرته ، وإعادتهما في العام القابل أمر لازم متعلّق بذمّته .
قال الزّركشيّ: أمّا الشّارع في فرض الكفاية ، إذا أراد قطعه فإن كان يلزم من قطعه بطلان ما مضى من الفعل حرم كصلاة الجنازة ، وإلاّ فإن لم تفت بقطعه المصلحة المقصودة للشّارع ، بل حصلت بتمامها ، كما إذا شرع في إنقاذ غريق ثمّ حضر آخر لإنقاذه جاز قطعًا .
نعم ذكروا في اللّقيط أنّ من التقط ليس له نقله إلى غيره ، وإن حصل المقصود ، لكن لا على التّمام ، والأصحّ أنّ له القطع أيضًا ، كالمصلّي في جماعة ينفرد ، وإن قلنا الجماعة فرض كفاية، والشّارع في العلم فإنّ قطعه له لا يجب به بطلان ما عرفه أوّلًا ، لأنّ بعضه لا يرتبط ببعض ، وفرض الكفاية قائم بغيره ، فالصّور ثلاثة:
قطع يبطل الماضي فيبطل قطعًا ، وقطع لا يبطله ولا يفوّت الشّاهد فيجوز قطعًا ، وقطع لا يبطل أصل المقصود ، ولكن يبطل أمرًا مقصودًا على الجملة ، ففيه خلاف .
قال الفتوحيّ من الحنابلة: يتعيّن فرض الكفاية بالشّروع فيه ، ويجب إتمامه على الأظهر ويؤخذ لزومه بالشّروع من مسألة حفظ القرآن ، فإنّه يحرم ترك الحفظ بعد الشّروع فيه على الصّحيح من المذهب ، وفي وجه يكره .
5-أمّا ما ندب إليه الشّارع من السّنن فإن كان حجًّا أو عمرةً وشرع فيهما وجب عليه الإتمام باتّفاق ، لقوله تعالى: { وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } . وإن كان غيرهما فإتمامه بعد الشّروع فيه محلّ خلاف:
فذهب الحنفيّة إلى أنّ من شرع في نفل لزمه إتمامه لقوله تعالى: { وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } فما أدّاه وجب صيانته وحفظه عن الإبطال ، لأنّ العمل صار حقًّا للّه ، ولا سبيل إلى حفظه إلاّ بالتزام الباقي ، فوجب الإتمام ضرورةً .
فإن خرج منه بدون عذر ، لزمه القضاء ، وعليه الإثم ، والعقاب على تركه ، وإن خرج منه لعذر لزمه القضاء . فأصبحت النّافلة عندهم واجبًا بعد الشّروع .
وذهب المالكيّة إلى أنّ من خرج من النّفل بعذر ، فلا قضاء عليه ، ومن خرج من غير عذر ، فعليه القضاء .
وذهب الشّافعيّة إلى أنّه إذا شرع في النّفل لم يلزمه المضيّ فيه ، ولا يجب عليه القضاء إذا لم يتمّه ، لأنّ النّفل لمّا شرع غير لازم قبل الشّروع ، وجب أن يبقى كذلك بعد الشّروع ، لأنّ حقيقة الشّرع لا تتغيّر بالشّروع ولو أتمّه صار مؤدّيًا للنّفل ، لا مسقطًا للوجوب . أمّا لو شرع في صوم نفل فنذر إتمامه ، لزمه على الصّحيح .
وذهب الحنابلة إلى أنّ من شرع في النّفل يستحبّ له البقاء فيه ، وإن خرج منه لا إثم عليه ، ولا يجب عليه القضاء .
6 -أمّا قراءة القرآن الكريم: إذا شرع المكلّف فيها ، فيكره قطعها لمكالمة النّاس ، فلا ينبغي أن يؤثر كلامه على قراءة القرآن .
وقد ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: » أنّه كان إذا قرأ القرآن لم يتكلّم حتّى يفرغ منه«.
وأمّا الحائض والنّفساء فإنّهما إذا شرعتا في قراءة القرآن الكريم ، ناسيةً إحداهما أنّها حائض ، والأخرى أنّها نفساء ، فلا يجب عليهما الاستمرار في القراءة ، بل يجب عليهما القطع .