التّعريف:
1 -المدينة لغةً: المصر الجامع , على وزن فعيلة , مأخوذة من مَدَن بالمكان أي: أقام فيه , وقيل: مَفْعَلة لأنّها من دان , والجمع: مُدُن , ومدائن .
وغلب إطلاق"المدينة"معرّفًا بأل لدى المسلمين على مدينة الرّسول صلى الله عليه وسلم , ويكثر أن يقال:"المدينة المنوّرة"إشارةً إلى أنّها منوّرة بأنوار ساكنها عليه أفضل الصّلاة والسّلام .
أسماء المدينة المنوّرة:
2 -كانت المدينة تسمّى قبل الإسلام يثرب , فسمّاها النّبي صلى الله عليه وسلم"المدينة"وقال: « أمرت بقرية تأكل القرى ، يقولون يثرب وهي المدينة ، تنفي النّاس كما ينفي الكير خبث الحديد » .
ونهى أن تسمّى يثرب , فقد روي أنّه صلى الله عليه وسلم قال: « من سمّى المدينة يثرب فليستغفر اللّه , هي طابة , هي طابة » .
ومن أسماء المدينة المشهورة"طيبْة"بسكون الياء , ويقال أيضًا:"طيِّبة"مشدّدة الياء و"دار الهجرة"وغير ذلك من أسماءٍ , قيل: إنّها تبلغ الأربعين .
وتقع المدينة بين حرّتين: إحداهما: شرقيّ المدينة وهي حرّة واقمٍ , والأخرى: غربيّها وهي حرّة الوبرة .
والحرّة: أرض مكتسية بحجارة سوداء بركانيّةٍ , ويحيط بها من الشّمال جبل أحدٍ , ومن الجنوب جبل عيرٍ .
وتبعد عن مكّة عشر مراحل , ويحرم أهلها ومن مرّ بها من ذي الحليفة .
فضل المدينة:
3 -المدينة مهاجر النّبيّ صلى الله عليه وسلم وفيها مثواه صلى الله عليه وسلم ومنها انتشر الإسلام في العالم , ولها فضائل كثيرة , من أهمّها بإيجاز:
أ - مضاعفة البركة فيها فعن أنسٍ رضي الله عنه قال قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « اللّهمّ اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما بمكّة من البركة » .
ب - تفضيل الإقامة فيها على غيرها فعن سفيان بن أبي زهيرٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: « تُفتح اليمن , فيأتي قوم يَبُسّون فيتحمّلون بأهليهم ومن أطاعهم , والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون , وتُفتح الشّام فيأتي قوم يَبُسّون فيتحمّلون بأهليهم ومن أطاعهم , والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، وتُفتح العراق فيأتي قوم يَبُسّون , فيتحمّلون بأهليهم ومن أطاعهم , والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون » .
ج - تغليظ ذنب من يكيد أهلها: فعن سعد بن أبي وقّاصٍ رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « من أراد أهل المدينة بسوء أذابه اللّه كما يذوب الملح في الماء » .
د - حمايتها من دخول الدّجّال والطّاعون: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « على أنقاب المدينة ملائكة , لا يدخلها الطّاعون ولا الدّجّال » . هـ - إنّها مجمع الإيمان فعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « إنّ الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحيّة إلى جحرها » .
ويأرز أي: ينضم ويجتمع بعضه إلى بعضٍ فيها .
حرم المدينة:
4 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ المدينة حرم مثل مكّة , فيحرم صيدها ولا يقطع شجرها إلا ما استنبت للقطع .
وذهب الحنفيّة إلى أنّ المدينة ليس لها حرم , فلا يمنع أحد من أخذ صيدها وشجرها , ولكلّ من الفريقين أدلّته .
وتفصيل ذلك في مصطلح: ( حرم ف28 ) .
5 -وقد فرّع الشّافعيّة والحنابلة على إثبات صفة الحرم للمدينة أنّه يكره نقل تراب الحرم وأحجاره إلى سائر البقاع , وقالوا: إنّ الأولى أن لا يدخل تراب الحلّ وأحجاره الحرم , وعلّة ذلك أنّ المدينة لمّا جعلها اللّه حرمًا آمنًا حرم بذلك كل شيءٍ ثابت مستقر فيها , وأمّا أنّ الأولى عدم إدخال تراب الحلّ وأحجاره فلئلا تحدث لها حرمة لم تكن .
وهذا إذا لم تمسّ الحاجة إلى إدخالها إلى الحرم , لمثل بناءٍ أو غيره .
المفاضلة بين مكّة والمدينة:
6 -ذهب الجمهور إلى تفضيل مكّة على المدينة وتفضيل المسجد الحرام على المسجد النّبويّ .
وذهب الإمام مالك إلى تفضيل المدينة المنوّرة على مكّة المكرّمة , وتفضيل المسجد النّبويّ على المسجد الحرام وهو قول عمر بن الخطّاب رضي الله عنه .
وقد استدلّ الجمهور على تفضيل مكّة وحرمها بأدلّة منها:
ما ورد عن عبد اللّه بن عديّ بن حمراء رضي الله عنه قال: « رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم واقفًا على الحزورة فقال: واللّه إنّك لخير أرض اللّه وأحب أرض اللّه إلى اللّه , ولولا أنّي أُخرِجتُ منك ما خرجت » .
وعن عبد اللّه بن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لمكّة: « ما أطيبك من بلدٍ وأحبّك إليّ , ولولا أنّ قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك » .
فهذان الحديثان يدلان على تفضيل مكّة على سائر البلدان ومنها المدينة .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجد الحرام » .
وفي حديث عبد اللّه بن الزبير رضي الله عنهما زيادة: « وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاةٍ في مسجدي هذا » وهذا دليل على تفضيل المسجد الحرام بمكّة على المسجد النّبويّ الشّريف .
واستدلّ مالك بأدلّة في فضل المدينة منها ما سبق: « إنّ الإيمان ليأرز إلى المدينة » وأنّها القرية الّتي تأكل القرى , فإنّه يدل على زيادة فضل المدينة على غيرها , ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: « اللّهمّ حبّب إلينا المدينة كحبّنا لمكّة أو أشدّ » .
واستدلوا بأنّ اللّه تعالى اختارها لنبيّه صلى الله عليه وسلم وخلفائه الرّاشدين وفضلاء الصّحابة , ولا يختار لهم إلا أفضل البقاع .