وقد صرّحوا بأنّ الخلاف ليس في الكعبة المعظّمة , فإنّها أفضل من المدينة كلّها , إلا البقعة الّتي ضمّت أعضاء الجسد الشّريف للنّبيّ صلى الله عليه وسلم .
وذكر الشّربيني الخطيب أنّ القاضي عياض نقل الإجماع على أنّ موضع قبره صلى الله عليه وسلم أفضل الأرض , والخلاف فيما سواه .
مشاهد المدينة:
7 -مشاهد المدينة مواضع ذات فضلٍ , ومأثرة تاريخيّة , استحب العلماء زيارتها , وهي نحو ثلاثين موضعًا يعرفها أهل المدينة ومن أهمّها ما يلي:
أ - المسجد النّبوي:
8 -وهو ثاني مسجدٍ بني في الإسلام بعد مسجد قباءٍ , والصّلاة فيه أفضل من الصّلاة في أيّ مسجدٍ آخر سوى المسجد الحرام , وفي المسجد النّبويّ معالم منها: الرّوضة الشّريفة والمنبر والمحراب , والحجرة الشّريفة الّتي تشرّفت بضمّ رفاته صلى الله عليه وسلم ورفات صاحبيه أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما .
وتفصيل ذلك كلّه ينظر في: ( المسجد النّبوي , وزيارة النّبيّ صلى الله عليه وسلم ف4 ) .
ب - مسجد قباءٍ:
9 -وهو أوّل مسجدٍ وضع في الإسلام , وأوّل من وضع أساسه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سمّي باسم قباءٍ , قريةٍ تبعد عن المدينة قدر ثلاثة أميالٍ تقريبًا .
ويستحب زيارة مسجد قباءٍ والصّلاة فيه كلّ أسبوعٍ , وأفضله يوم السّبت , لحديث عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما قال: « كان النّبي صلى الله عليه وسلم: يأتي مسجد قباءٍ كلّ سبتٍ راكبًا وماشيًا » .
وورد عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « الصّلاة في مسجد قباءٍ كعمرة » .
وعن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه كان يأتي قباء يوم الاثنين ويوم الخميس , وقال: « والّذي نفسي بيده لقد رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وأبا بكرٍ في أصحابه ينقلون حجارته على بطونهم ويؤسّسه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم . . . » .
ج - البقيع:
10 -ويقال له: بقيع الغرقد , لوجود شجر الغرقد فيه , وكان مقبرة أهل المدينة وهو يقع إلى الشّرق من المسجد النّبويّ , وقد ورد فيه أحاديث , من أصحّها حديث عائشة رضي الله عنها عنها: « أنّ جبريل أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ ربّك يأمرك أن تأتي أهل بقيع الغرقد فتستغفر لهم . . . » .
وعن عائشة رضي الله عنها أيضًا قالت: « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كلّما كان ليلتها من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر اللّيل إلى البقيع فيقول: السّلام عليكم دار قومٍ مؤمنين , وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجّلون , وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون , اللّهمّ اغفر لأهل بقيع الغرقد » .
قال النّووي: يستحب أن يخرج زائر المدينة كلّ يومٍ إلى البقيع خصوصًا يوم الجمعة , ويكون ذلك بعد السّلام على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم .
وفي البقيع قبور أجلّة الصّحابة والتّابعين ومن بعدهم , كانت قد بنيت عليهم قباب , وقد أزيلت , لكنّ أهل الخبرة يعرفون مواضعهم , منهم: عثمان بن عفّان , والعبّاس بن عبد المطّلب رضي الله عنهما إلى الغرب , وشرقيه قبر الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما وزين العابدين وبعض أهل البيت في قبرٍ واحدٍ , كقبر صفيّة رضي الله عنها عمّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم وإبراهيم رضي الله عنه ابنه إلى جنب عثمان بن مظعونٍ , وإلى جنبه عبد الرّحمن بن عوفٍ رضي الله عنهما وثمّة موضع قبور من دفن بالبقيع من أمّهات المؤمنين جميعًا .
د - جبل أحدٍ وقبور الشهداء عنده:
11 -أحد جبل عظيم يطل على المدينة سمّي بذلك لتوحده وانقطاعه عن جبالٍ أخر هناك , وباسمه سمّيت الغزوة الكبيرة الّتي جاءت بعد غزوة بدرٍ الكبرى , لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جعل ظهر جيشه إلى جبل أحدٍ .
وورد أنّه صلى الله عليه وسلم قال: « أحد جبل يحبنا ونحبه » .
كما جاء: « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صعد أحدًا وأبو بكرٍ وعمر وعثمان , فرجف بهم , فقال: أثْبُت أحد , فإنّما عليك نبي وصدّيق وشهيدان » .
وتستحب زيارة شهداء أحدٍ رضي الله عنهم وقد أحيطت , قبورهم بسياج , وأعلم على قبر سيّد الشهداء حمزة رضي الله عنه بعلامة قبرٍ كبيرةٍ , ومعه في القبر المجدّع في اللّه عبد اللّه بن جحشٍ رضي الله عنه قيل له: المجدّع لأنّه دعا يوم أحدٍ أن يقاتل ويستشهد ويقطع أنفه وأذنه ويمثّل به في اللّه تعالى , فاستجاب اللّه دعاءه .
وإلى جانبه مصعب بن عميرٍ رضي الله عنه داعية الإسلام في المدينة وثمّة باقي الشهداء , ولا يعرف قبر أحدٍ منهم , لكنّ الظّاهر أنّهم حول حمزة في بقعة الموقعة رضي الله عنهم وعدّتهم سبعون: أربعة من المهاجرين والباقي من الأنصار , منهم حنظلة بن أبي عامرٍ غسّيل الملائكة , وأنس بن النّضر , عم أنس بن مالكٍ خادم النّبيّ صلى الله عليه وسلم وسعد بن الرّبيع , ومالك بن سنانٍ والد أبي سعيدٍ الخدريّ , وعبد اللّه بن حرامٍ والد جابر ابن عبد اللّه وغيرهم , رضي الله عنهم جميعًا .
ويسلّم عليهم بالصّيغة الواردة على أهل القبور , نحو ما ذكرناه في السّلام على أهل البقيع .