التّعريف:
1 -تعريف الصّلاة: انظر: صلاة . والوسطى مؤنّث الأوسط ، وأوسط الشّيء ما بين طرفيه ، وهو من أوسط قومه: من خيارهم ، « وفي صفة النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّه من أوسط قومه » ، أي خيارهم ، والوسط: وسط الشّيء ، ما بين طرفيه ، والمعتدل من كلّ شيء ، والعدل ، والخير ، يوصف به المفرد وغيره ، وفي التّنزيل: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } ، أي خيارًا عدولًا .
تحديد الصّلاة الوسطى:
اختلف الفقهاء في تحديد الصّلاة الوسطى الوارد ذكرها في قوله تعالى: { حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ } وذلك على الوجه الآتي:
2 -قيل: إنّها صلاة الصّبح ، وهذا قول مالك وهو المشهور في مذهبه ، وهو قول الشّافعيّ ، نصّ عليه في الأمّ وغيره ، ونقل الواحديّ هذا القول عن عمر ومعاذ بن جبل وابن عبّاس وابن عمر وجابر - رضي الله تعالى عنهم - وعطاء ومجاهد والرّبيع بن أنس - رحمهم اللّه تعالى - وهو قول علماء المدينة .
ومستند هؤلاء: أنّ صلاة الصّبح قبلها صلاتا ليل يجهر فيهما ، وبعدها صلاتا نهار يسرّ فيهما ؛ ولأنّ وقتها يدخل والنّاس نيام ، والقيام إليها شاقّ في زمن البرد لشدّة البرد ، وفي زمن الصّيف لقصر اللّيل ، فخصّت بالمحافظة عليها ، حتّى لا يتغافل عنها بالنّوم . ويستدلّون على ذلك بقوله تعالى: { وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ } فقرنها بالقنوت ، ولا قنوت إلاّ في الصّبح ، قال أبو رجاء: صلّى بنا ابن عبّاس - رضي الله تعالى عنهما - صلاة الغداة بالبصرة فقنت فيها قبل الرّكوع ، ورفع يديه ، فلمّا فرغ قال: هذه الصّلاة الوسطى الّتي أمرنا اللّه تعالى أن نقوم فيها قانتين . والقنوت لغةً: يطلق على طول القيام وعلى الدّعاء ، فعن جابر بن عبد اللّه - رضي الله عنهما - أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « أفضل الصّلاة طول القنوت » .
وقال أبو إسحاق الزّجّاج: المشهور في اللّغة والاستعمال أنّ القنوت: العبادة والدّعاء للّه تعالى في حال القيام ، قال الواحديّ: فتظهر الدّلالة للشّافعيّ: أنّ الوسطى الصّبح ؛ لأنّه لا فرض يكون فيه الدّعاء قائمًا غيرها .
3 -وقيل: إنّها العصر لأنّها بين صلاتين من صلاة اللّيل ، وصلاتين من صلاة النّهار ، وهو مذهب الحنفيّة والحنابلة وهو قول ابن حبيب من المالكيّة . واختاره ابن العربيّ في قبسه ، وابن عطيّة في تفسيره وقال: وعلى هذا القول الجمهور من النّاس وبه أقول ، ونقله الواحديّ عن عليّ وابن مسعود وأبي هريرة - رضي الله تعالى عنهم - والنّخعيّ والحسن وقتادة والضّحّاك والكلبيّ ومقاتل ، ونقله ابن المنذر عن أبي أيّوب الأنصاريّ وأبي سعيد الخدريّ ، وابن عمر وابن عبّاس - رضي الله تعالى عنهم - وعبيدة السّلمانيّ - رحمه الله تعالى - ونقله التّرمذيّ عن أكثر العلماء من الصّحابة وغيرهم .
والدّليل على أنّها صلاة العصر ما روي عن عليّ - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: « شغلونا عن الصّلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأ اللّه بيوتهم وقبورهم نارًا » .
وعن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « صلاة الوسطى صلاة العصر » . ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « الّذي تفوته صلاة العصر كأنّما وتر أهله وماله » . وقال: « من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله » .
وقال: « إنّ هذه الصّلاة عرضت على من كان قبلكم فضيّعوها ، فمن حافظ عليها كان له أجره مرّتين، ولا صلاة بعدها حتّى يطلع الشّاهد ، يعني النّجم » .
وقال النّوويّ في المجموع: الّذي تقتضيه الأحاديث الصّحيحة: إنّ الصّلاة الوسطى هي العصر ، وهو المختار . ثمّ قال: قال صاحب الحاوي: نصّ الشّافعيّ أنّها الصّبح ، وصحّت الأحاديث أنّها العصر ، ومذهبه اتّباع الحديث ، فصار مذهبه أنّها العصر ، قال: ولا يكون في المسألة قولان ، كما وهم بعض أصحابنا .
4 -وقيل: إنّها الصّبح والعصر معًا ، قاله الشّيخ أبو بكر الأبهريّ من المالكيّة واختاره ابن أبي جمرة ، والدّليل على ذلك قوله تعالى: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ } يعني صلاة الفجر والعصر . وروى جرير بن عبد اللّه قال: « كنّا جلوسًا عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: أمّا إنّكم سترون ربّكم كما ترون هذا ، لا تضامون . في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشّمس وقبل غروبها ، يعني العصر والفجر فافعلوا ، ثمّ قرأ جرير: { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } » وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « يتعاقبون فيكم ملائكة باللّيل وملائكة بالنّهار ، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثمّ يعرج الّذين باتوا فيكم ، فيسألهم - وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلّون ، وأتيناهم وهم يصلّون » .
وروى عمارة بن رؤيبة قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: « لن يلج النّار أحد صلّى قبل طلوع الشّمس وقبل غروبها ، يعني الفجر والعصر » وعنه أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « من صلّى البردين دخل الجنّة » وسمّيتا البردين لأنّهما يفعلان في وقت البرد .