5-وقيل: إنّ الصّلاة الوسطى صلاة العتمة والصّبح ، قال الدّمياطيّ: ذكره ابن مقسم في تفسيره . وقال أبو الدّرداء - رضي الله عنه - في مرضه الّذي مات فيه: اسمعوا وبلّغوا من خلفكم: حافظوا على هاتين الصّلاتين - يعني في جماعة - العشاء والصّبح ، ولو تعلمون ما فيهما لأتيتموهما ولو حبوًا على مرافقكم وركبكم . وقاله عمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهما - وورد عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « ليس صلاةً أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ، ولو يعلمون ما فيها لأتوهما ولو حبوًا » .
وجعل لمصلّي الصّبح في جماعة قيام ليلة ، والعتمة نصف ليلة ، حيث قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « من صلّى العشاء في جماعة فكأنّما قام نصف اللّيل ، ومن صلّى الصّبح في جماعة فكأنّما صلّى اللّيل كلّه » .
6-وقيل: هي الظّهر ؛ لأنّها وسط النّهار ، والنّهار أوّله من طلوع الفجر ، وممّن قال إنّ الظّهر هي الصّلاة الوسطى: زيد بن ثابت ، وأبو سعيد الخدريّ ، وأسامة بن زيد ، وعبد اللّه بن عمر ، وعائشة - رضي الله عنهم - ونقله ابن المنذر عن عبد اللّه بن شدّاد .
وممّا يدلّ على أنّها وسطى: ما قالته عائشة وحفصة حين أملتا:"حافظوا على الصّلوات والصّلاة الوسطى وصلاة العصر"بالواو ، وروي: أنّها كانت أشقّ على المسلمين لأنّها كانت تجيء في الهاجرة وهم قد نفهتهم أعمالهم في أموالهم ، وورد عن زيد بن ثابت قال: « كان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يصلّي الظّهر بالهاجرة ، ولم تكن صلاة أشدّ على أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم منها ، فنزلت: { حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى } » .
7-وقيل: إنّها المغرب قال بذلك قبيصة بن ذؤيب في جماعة ، وابن قتيبة وقتادة ؛ لأنّ الأولى هي الظّهر ، فتكون المغرب الثّالثة ، والثّالثة من كلّ خمس هي الوسطى ؛ ولأنّها وسطى في عدد الرّكعات ووسطى في الأوقات ، فعدد ركعاتها ثلاث فهي وسطى بين الأربع والاثنين ووقتها في آخر النّهار وأوّل اللّيل ، خصّت من بين الصّلاة بأنّها الوتر ، واللّه وتر يحبّ الوتر ، وبأنّها تصلّى في أوّل وقتها في جميع الأمصار والأعصار ، ويكره تأخيرها عنه، وكذلك صلّاها جبريل بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم في اليومين لوقت واحد ، ولذلك ذهب بعض الأئمّة إلى أنّها ليس لها إلاّ وقت واحد ، وقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « لا تزال أمّتي بخير - أو قال: على الفطرة - ما لم يؤخّروا المغرب إلى أن تشتبك النّجوم » وروي من حديث عائشة - رضي الله عنها - عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إنّ أفضل الصّلوات عند اللّه صلاة المغرب لم يحطّها عن مسافر ولا مقيم ، فتح اللّه بها صلاة اللّيل وختم بها صلاة النّهار فمن صلّى المغرب وصلّى بعدها ركعتين بنى اللّه له قصرًا في الجنّة ومن صلّى بعدها أربع ركعات غفر اللّه له ذنب عشرين سنةً - أو قال - أربعين سنةً » .
8-وقيل: إنّ الصّلاة الوسطى هي صلاة العشاء ؛ لأنّها بين صلاتين لا تقصران ، ويستحبّ تأخيرها ، وذلك شاقّ ، فوقع التّأكيد في المحافظة عليها .
وممّن ذكر أنّ الصّلاة الوسطى هي العشاء أحمد بن عليّ النّيسابوريّ . وروى ابن عمر قال: « مكثنا ليلةً ننتظر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث اللّيل أو بعده . فقال: إنّكم لتنتظرون صلاةً ما ينتظرها أهل دين غيركم ، ولولا أن يثقل على أمّتي لصلّيت بهم هذه السّاعة » وقال: « ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء ، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا » .
9-وقيل: إنّ الصّلاة الوسطى غير معيّنة ، فهي مبهمة في الصّلوات الخمس ليجتهد في الجميع كما في ليلة القدر والسّاعة الّتي في يوم الجمعة ، قاله الرّبيع بن خيثم ، وحكي عن ابن المسيّب ، وقاله نافع عن ابن عمر ، فخبّأها اللّه تعالى . كما خبّأ ليلة القدر ، وساعة يوم الجمعة ، وساعات اللّيل المستجاب فيها الدّعاء ليقوموا باللّيل في الظّلمات لمناجاة عالم الخفيّات وممّا يدلّ على صحّة أنّها مبهمة غير معيّنة ما ورد عن البراء بن عازب قال: « نزلت هذه الآية: ( حافظوا على الصّلوات وصلاة العصر ) ، فقرأناها ما شاء اللّه ثمّ نسخها اللّه فنزلت { حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى } ، فقال رجل: هي إذن صلاة العصر؟ فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها اللّه » فلزم من هذا أنّها بعد أن عيّنت نسخ تعيينها وأبهمت فارتفع التّعيين ، وهذا اختيار مسلم . وقال به غير واحد من العلماء المتأخّرين ، قال القرطبيّ: وهو - أي إبهامها وعدم تعيينها - الصّحيح إن شاء اللّه تعالى لتعارض الأدلّة وعدم التّرجيح ، فلم يبق إلاّ المحافظة على جميعها ، وأداؤها في أوقاتها .
10 -وقيل: إنّها صلاة الجمعة ، حكاه الماورديّ في تفسيره ؛ لأنّ الجمعة خصّت بالجمع لها والخطبة فيها ، جعلت عيدًا ذكره ابن حبيب ومكّيّ ، وورد عن عبد اللّه بن مسعود « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلّفون عن الجمعة: لقد هممت أن آمر رجلًا يصلّي بالنّاس ثمّ أحرّق على رجال يتخلّفون عن الجمعة بيوتهم » .
11 -وقيل: إنّها الصّلوات الخمس بجملتها ، ذكره النّقّاش في تفسيره ، وقاله معاذ بن جبل لأنّ قوله تعالى: { حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ } ، يعمّ الفرض والنّفل ، ثمّ خصّ الفرض بالذّكر .
وقد ذكر الحطّاب أقوالًا أخرى سوى ما تقدّم . يرجع إليه فيها .
الحكم التّكليفيّ وسبب إفرادها بالذّكر: