التّعريف:
1 -الفرض لغةً: من فرضت الشّيء أفرضه فرضًا: أوجبته وألزمت به .
ويأتي الفرض بمعنى التّقدير ، فيقال: فرض القاضي النّفقة فرضًا بمعنى: قدّرها ، والفرض كلّ شيء تفرضه ، فتوجبه على إنسان بقدر معلوم ، والاسم الفريضة .
واصطلاحًا: عرّف الحنفيّة الفرض بأنّه ما عرف وجوبه بدليل قطعيّ موجب للعلم والعمل قطعًا ، أمّا ما عرف وجوبه بدليل ظنّيّ فهو الواجب عندهم .
الفرق بين الفرض والواجب:
2 -الفرض والواجب عند الجمهور بمعنىً واحد إلاّ في الحجّ .
ويدور اللّفظان عندهم على معنى الثّبوت والتّقدير مطلقًا ، وهو أعمّ من أن يثبت بدليل قطعيّ أو ظنّيّ .
وذهب الحنفيّة وأحمد في رواية إلى التّفريق بين الفرض والواجب ، فمدار الفرض عندهم لغةً على القطع ، وشرعًا على ما ثبت بدليل موجب للعلم قطعًا من الكتاب أو السّنّة المتواترة أو الإجماع ، ومدار الواجب عندهم لغةً على السّقوط واللّزوم ، وشرعًا على ما يكون دليله موجبًا للعلم ، فيثبت الواجب عندهم بدليل ظنّيّ .
ويظهر أثر التّفريق بين الفرض والواجب عند الحنفيّة في أنّ جاحد الفرض كافر ، لأنّه أنكر ما وجب عليه اعتقاد فرضيّته قطعًا ، ولا يكفر جاحد الواجب ، لأنّ دليله لا يوجب الاعتقاد ، وإنّما يوجب العمل ، ولذا يفسّق تاركه ، ومثال الأوّل الصّلوات الخمس ، فإنّها فرض علميّ وعمليّ ، ومثال الثّاني صلاة الوتر عند أبي حنيفة فهي فرض عمليّ ، ويقال له: فرض عملًا ، واجب اعتقادًا ، وسنّة ثبوتًا .
وللتّفصيل انظر الملحق الأصوليّ
تقسيم الفرض بحسب المكلّف به:
3 -ينقسم الفرض باعتبار المكلّف به إلى: فرض كفاية ، وفرض عين .
أمّا فرض الكفاية: فهو ما يقصد حصوله من غير نظر بالذّات إلى فاعله ، فهو واجب على الكلّ ، ويسقط الوجوب بفعل البعض ، ويأثم الكلّ بتركه .
وأمّا فرض العين: فهو المنظور بالذّات إلى فاعله .
وذكر العلماء من أمثلة فرض الكفاية الدّينيّ: صلاة الجنازة ، والأمر بالمعروف ، وإقامة الحجج والبراهين القاطعة على إثبات الصّانع ، وإثبات النّبوّات ، والاشتغال بعلوم الشّرع من تفسير وحديث وفقه ، وتولّي القضاء والإفتاء .
ومن أمثلة فرض الكفاية الدّنيويّ: الحرف والصّنائع ، وما به قوام العيش كالبيع والشّراء .
4 -وذكر العلماء جملةً من الفروق بين فرض الكفاية وفرض العين وهي:
أ - أنّ فروض الكفاية أمر كلّيّ تتعلّق بها مصالح دينيّة ودنيويّة لا ينتظم الأمر إلاّ بحصولها ، فقصد الشّارع تحصيلها ، ولا يقصد تكليف الآحاد وامتحانهم بها ، بخلاف فروض الأعيان فإنّ الكلّ مكلّفون بها ممتحنون بتحصيلها .
ب - المصلحة من فروض الأعيان تتكرّر بتكرّرها كالصّلاة مثلًا ، فإنّ مصلحة الخضوع للّه تعالى والتّذلّل تتكرّر كلّما تكرّرت الصّلاة ، فشرع هذا القسم على الأعيان تكثيرًا للمصلحة . أمّا المصلحة من فروض الكفاية فلا تتكرّر بتكرّرها ، كإنقاذ الغريق فإنّ النّازل إلى البحر بعد إنقاذه لا يحصّل شيئًا من المصلحة ، فجعله الشّارع على الكفاية نفيًا للعبث في الأفعال ، ككسوة العريان وإطعام الجوعان .
ج - أنّ فرض العين يلزم بالشّروع إلاّ لعذر باتّفاق الفقهاء ، وكذلك فرض الكفاية خلافًا للشّافعيّة ، فلا يلزم فرض الكفاية بالشّروع إلاّ في الجهاد والجنازة والحجّ تطوّعًا عندهم فإنّه لا يقع إلاّ فرض كفاية .
د - أنّ من ترك فرض عين أجبر عليه وفي فرض الكفاية خلاف كما في تولّي القضاء وكفالة اللّقيط وغيرها .
المفاضلة بين فرض العين وفرض الكفاية:
5 -ذهب أبو إسحاق الإسفرايينيّ وإمام الحرمين إلى أنّ للقيام بفرض الكفاية أفضليّةً على القيام بفرض العين من حيث إنّ في أدائه إسقاطًا للحرج عن نفسه وعن المسلمين .
وذهب ابن عابدين والجلال المحلّيّ في شرحه على جمع الجوامع إلى أنّ القيام بفرض العين أفضل ، لشدّة اعتناء الشّارع به بقصد حصوله من كلّ مكلّف ، ولأنّه مفروض حقًّا للنّفس فهو أهمّ عندها وأكثر مشقّةً ، ونقل العطّار في حاشيته من كلام الإمام الشّافعيّ والأصحاب ما يؤيّد ذلك ، فقد قالوا: إنّ قطع الطّواف المفروض لصلاة الجنازة مكروه ، وعلّلوه بأنّه لا يحسن ترك فرض العين لفرض الكفاية ، فإذا ازدحم فرض الكفاية وفرض العين في وقت واحد لا يسع إلاّ أحدهما وجب تقديم فرض العين إلاّ إذا كان له بدل ، كما في سقوط الجمعة ممّن له قريب يمرّضه ، بل قالوا: لو اجتمع جنازة وجمعة وضاق الوقت قدّمت الجمعة على المذهب ، وقدّم الشّيخ أبو محمّد الجنازة لأنّ للجمعة بدلًا .
وإن كان في الوقت متّسع فيقدّم فرض الكفاية ، كما لو اجتمع كسوف وفرض ، ولم يخف فوت الفرض ، قدّم الكسوف كي لا يفوت ، وكذلك يقدّم إنقاذ الغريق على إتمام الصّوم في حقّ صائم لا يتمكّن من إنقاذه إلاّ بالإفطار لخوف الفوات .
وتفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ .