التّعريف:
1 -العبادة في اللّغة: الخضوع ، والتّذلّل للغير لقصد تعظيمه ولا يجوز فعل ذلك إلاّ للّه ، وتستعمل بمعنى الطّاعة .
وفي الاصطلاح: ذكروا لها عدّة تعريفات متقاربة: منها:
أ - هي أعلى مراتب الخضوع للّه ، والتّذلّل له .
ب - هي المكلّف على خلاف هوى نفسه تعظيمًا لربّه .
ج - هي فعل لا يراد به إلاّ تعظيم اللّه بأمره .
د - هي اسم لما يحبّه اللّه ويرضاه من الأقوال ، والأفعال ، والأعمال الظّاهرة والباطنة .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - القربة:
2 -القربة هي: ما يتقرّب به إلى اللّه فقط ، أو مع الإحسان للنّاس كبناء الرّباط والمساجد ، والوقف على الفقراء والمساكين .
ب - الطّاعة:
3 -الطّاعة هي: موافقة الأمر بامتثاله سواء أكان من اللّه أم من غيره ، قال تعالى: { أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ }
4 -قال ابن عابدين: بين هذه الألفاظ"العبادة - القربة - الطّاعة"عموم وخصوص مطلق .
فالعبادة: ما يثاب على فعله ، وتتوقّف صحّته على نيّة ، والقربة: ما يثاب على فعله بعد معرفة من يتقرّب إليه به ، ولم يتوقّف على نيّة ، والطّاعة: ما يثاب على فعله توقّف على نيّة أم لا ، عرف من يفعله لأجله ، أم لا .
فالصّلوات الخمس ، والصّوم ، والزّكاة ، وكلّ ما تتوقّف صحّته على نيّة: عبادة ، وطاعة ، وقربة ، وقراءة القرآن ، والوقف ، والعتق ، والصّدقة ، ونحو ذلك ممّا لا تتوقّف على نيّة: قربة ، وطاعة ، لا عبادة .
والنّظر المؤدّي إلى معرفة اللّه تعالى: طاعة ، لا قربة ، لأنّ المعرفة تحصل بعدها ، ولا عبادة لعدم توقّفه على نيّة ، وقال الزّركشيّ من الشّافعيّة: إنّ العبادة مشتقّة من التّعبّد ، وعدم النّيّة لا يمنع كون العمل عبادةً ، وقال: وعندي أنّ العبادة ، والقربة ، والطّاعة تكون فعلًا وتركًا ، والعمل المطلوب شرعًا يسمّى عبادةً إذا فعله المكلّف تعبّدًا ، أو تركه تعبّدًا أمّا إذا فعله لا بقصد التّعبّد ، بل لغرض آخر ، أو ترك شيئًا من المحرّمات لغرض آخر غير التّعبّد فلا يكون عبادةً لقوله تعالى: { ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ } .
الأحكام المتعلّقة بالعبادة:
العبادة لا تصدر إلاّ عن وحي:
5 -المقصود من العبادة: تهذيب النّفس بالتّوجّه إلى اللّه ، والخضوع له ، والانقياد لأحكامه بالامتثال لأمره ، فلا تصدر إلاّ عن طريق الوحي بنوعيه: الكتاب الكريم ، وسنّة النّبيّ المعصوم الّذي لا ينطق عن الهوى ، قال تعالى: { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى } .
أو بما يقرّه اللّه من اجتهاده صلى الله عليه وسلم فقد جاء في الصّحيح: » من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ « .
أمّا الأمور العاديّة الّتي تجري بين النّاس لتنظيم مصالحهم الدّنيويّة ، فالمقصود منها: التّوجيه إلى إقامة العدل بينهم ، ودفع الضّرر ، فيجوز فيها الاجتهاد فيما لم يرد فيه نصّ ، لتحقيق العدل ، ودفع الضّرر .
والتّفصيل في الملحق الأصوليّ .
اشتراط النّيّة في العبادات:
6 -لا خلاف بين الفقهاء في اشتراط النّيّة في العبادات لخبر: » إنّما الأعمال بالنّيّات « والحكمة في إيجاب النّيّة فيها: تميّز العبادة عن العادة ، وتمييز رتب بعض العبادات بعضها عن بعض ، ولهذا قالوا: تجب النّيّة في العبادة الّتي تلتبس بعادة ، فالوضوء والغسل يتردّدان بين التّنظيف والتّبرّد والعبادة ، والإمساك عن المفطرات قد يكون للّحميّة والتّداوي، وقد يكون لعدم الحاجة إليه ، وقد يكون للصّوم الشّرعيّ ، والجلوس في المسجد يكون للاستراحة ويكون للاعتكاف ، ودفع المال للغير قد يكون صدقة تطوّع وقد يكون فرض الزّكاة ، فشرعت النّيّة لتمييز العبادة عن غيرها ، والصّلاة قد تكون فرضًا ، أو نفلًا ، فشرعت النّيّة لتمييز الفرض عن النّفل .
أمّا الّتي لا تلتبس بعادة ، كالإيمان باللّه والخوف ، والرّجاء ، والأذان ، والإقامة ، وخطبة الجمعة ، وقراءة القرآن والأذكار فلا تجب فيها النّيّة لأنّها متميّزة بصورتها .
النّيابة في العبادات:
7 -قسّم الفقهاء العبادة في هذا الصّدد إلى أقسام ثلاثة:
1 -عبادة بدنيّة محضة .
2 -عبادة ماليّة محضة .
3 -عبادة متردّدة بينهما .
فالعبادة البدنيّة المحضة: كالصّلاة والصّوم ، والوضوء ، والغسل .. فالأصل فيها امتناع النّيابة ، إلاّ ما أخرج بدليل ، كالصّوم عن الميّت ، لأنّ المقصود من التّكاليف البدنيّة الابتلاء ، والمشقّة ، وهي تحصل بإتعاب النّفس والجوارح بالأفعال المخصوصة ، وهو أمر لا يتحقّق بفعل نائبه ، فلم تجزئ النّيابة ، إلاّ في ركعتي الطّواف تبعًا للنّسك ، ولو استناب فيهما وحدهما لم يصحّ .
أمّا الصّوم عن الميّت فقد أخرج عن هذه القاعدة لدليل ورد فيه: فقد قال ابن عبّاس رضي الله عنهما: » جاءت امرأة إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول اللّه إنّ أمّي ماتت ، وعليها صوم نذر أفأصوم عنها ؟ فقال: أرأيت لو كان على أمّك دين فقضيته أكان ذلك يؤدّى عنها ؟ قالت: نعم ، قال: فصومي عن أمّك « .
( ر: صوم ) .
العبادة الماليّة: أمّا العبادات الماليّة المحضة كالصّدقة ، والزّكاة ، والكفّارات ، والنّذر ، والأضحيّة ، ونحو ذلك فتصحّ فيها النّيابة ، لأنّ دفع الزّكاة إلى الإمام إمّا واجب ، أو مندوب ، ومعلوم أنّه لا يفرّقها على المستحقّين إلاّ عن طريق النّيابة .