التّعريف:
1 -الكفّارة في اللغة: مأخوذة من الكفر وهو السّتر , لأنّها تغطّي الذّنب وتستره , فهي اسم من كفّر اللّه عنه الذّنب , أي محاه لأنّها تكفّر الذّنب , وكأنّه غطّى عليه بالكفّارة .
وفي التّهذيب: سمّيت الكفّارات كفّاراتٍ , لأنّها تكفّر الذنوب , أي تسترها مثل كفّارة الأيمان , وكفّارة الظّهار , والقتل الخطأ , وقد بيّنها اللّه تعالى في كتابه وأمر بها عباده . والكفّارة: ما كفّر به من صدقةٍ أو صومٍ أو نحو ذلك .
وتكفير اليمين فعل ما يجب بالحنث فيها , والتّكفير في المعاصي: كالإحباط في الثّواب . وفي الاصطلاح: قال النّووي: الكفّارة من الكَفر - بفتح الكاف - وهو السّتر لأنّها تستر الذّنب وتذهبه , هذا أصلها , ثمّ استعملت فيما وجد فيه صورة مخالفة أو انتهاك وإن لم يكن فيه إثم كالقتل خطأً وغيره .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - الاستغفار:
2 -الاستغفار في اللغة: طلب المغفرة .
وشرعًا: سؤال المغفرة والتّجاوز بها عن الذّنب وعدم المؤاخذة به .
وقد يأتي الاستغفار بمعانٍ أخرى , فيأتي بمعنى الإسلام , كما في قوله تعالى: { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } .
يقول مجاهد وعكرمة: أي يسلمون .
كما يأتي بمعنى الدعاء والتّوبة , هكذا يقول القرطبي .
والصّلة أنّ كلًا من الكفّارة والاستغفار يكون - بمشيئة اللّه تعالى - سببًا لمغفرة الذّنب .
ب - التّوبة:
3 -التّوبة في اللغة: العود والرجوع عن المعصية .
يقال: تاب عن ذنبه , إذا رجع عنه وأقلع , وتاب اللّه عليه: وفّقه للتّوبة .
وشرعًا: هي النّدم والإقلاع عن المعصية والعزم على عدم العود إليها إذا قدر .
والصّلة بين الكفّارة والتّوبة أنّ كلًا منهما - بمشيئة اللّه تعالى - سبب لمغفرة الذّنب .
ج - العقوبة:
4 -العقوبة في اللغة: مأخوذة من العقب , وهو الجري بعد الجري والولد بعد الولد . والعقبة بالضّمّ: النّوبة والبدل واللّيل والنّهار , لأنّهما يتعاقبان .
وفي الاصطلاح هي: زواجر شرعها اللّه - عزّ وجلّ - للرّدع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر , ليردع بها ذوي الجهالة حذرًا من ألم العقوبة .
وهذه الزّواجر: إمّا أن تكون مقدّرةً , فتسمّى حدًا وإمّا أن تكون غير مقدّرةٍ فتسمّى تعزيرًا .
والصّلة بين الكفّارة والعقوبة أنّ الكفّارة فيها معنى العبادة , وليست العقوبة كذلك .
الحكم التّكليفي:
5 -الكفّارة مشروعة باتّفاق الفقهاء وهي واجبة جبرًا لبعض الذنوب والمخالفات الشّرعيّة .
ودليل ذلك الكتاب والسنّة والإجماع:
أمّا الكتاب: فقوله تعالى: { لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } .
وقوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا } .
وقوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ، فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .
وأمّا السنّة: فما ورد عن عبد الرّحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « لا تسأل الإمارة فإنّك إن أعطيتها من غير مسألةٍ أعنت عليها ، وإن أعطيتها عن مسألةٍ وكلت إليها ، وإذا حلفت على يمينٍ فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الّذي هو خير ، وكفّر عن يمينك » .
وأمّا الإجماع: فقد أجمع المسلمون من عصر الرّسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا على مشروعيّة الكفّارة .
الوصف الشّرعي للكفّارة:
6 -نصّ الحنفيّة على أنّ الكفّارة فيها معنى العقوبة ومعنى العبادة .
قال ابن نجيمٍ: وأمّا صفتها أي الكفّارة مطلقًا فهي عقوبة وجوبًا , لكونها شرعت أجزيةً لأفعال فيها معنى الحظر , عبادة أداءٍ , لكونها تتأدّى بالصّوم والإعتاق والصّدقة وهي قرب , والغالب فيها معنى العبادة , إلا كفّارة الفطر في رمضان فإنّ جهة العقوبة فيها غالبة بدليل أنّها تسقط بالشبهات كالحدود , ولا تجب مع الخطأ , بخلاف كفّارة اليمين لوجوبها مع الخطأ , وكذا كفّارة القتل الخطأ , وأمّا كفّارة الظّهار فقالوا: إنّ معنى العبادة فيها غالب . وقال الشّربيني الخطيب من الشّافعيّة: وهل الكفّارات بسبب حرامٍ زواجر كالحدود والتّعازير للخلل الواقع ؟ وجهان , أوجههما الثّاني كما رجّحه ابن عبد السّلام , لأنّها عبادات ولهذا لا تصح إلا بالنّيّة .