وقال الشّيخ محمّد علي من المالكيّة: وقد اختلف في بعض الكفّارات هل هي زواجر لما فيها من مشاقّ تحمل الأموال وغيرها , أو هي جوابر لأنّها عبادات لا تصح إلا بالنّيّات , وليس التّقرب إلى اللّه تعالى زجرًا , بخلاف الحدود والتّعزيرات فإنّها ليست قربات , لأنّها ليست فعلًا للمزجورين .
أسباب وجوب الكفّارة:
لوجوب الكفّارة أسباب عدّة:
أوّلًا: الحنث في اليمين:
7 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ كفّارة اليمين لا تجب إلا بالحنث فيه .
ولا خلاف بينهم في أنّ موجب الحنث هو المخالفة لما انعقدت عليه اليمين , وذلك بفعل ما حلف على عدم فعله , أو ترك ما حلف على فعله , إذا علم أنّه قد تراخى عن فعل ما حلف على فعله , إلى وقتٍ لا يمكنه فيه فعله .
ولا خلاف على وجوب الكفّارة بالحنث في اليمين المعقودة على أمرٍ في المستقبل , نفيًا كان أو إثباتًا .
كما لا خلاف بينهم على عدم وجوبها في اليمين اللّغو في الزّمن الماضي أو الحال , نفيًا كان أو إثباتًا .
وإنّما الخلاف بينهم في وجوبها في اليمين الغموس , وهي المعقودة على أمرٍ في الماضي أو الحال كاذبة يتعمّد صاحبها ذلك .
وفي وجوبها في اليمين اللّغو في الزّمن المستقبل .
وفي تعدد الكفّارات بتعدد الأيمان , وفي رفع الكفّارة الحنث .
الكفّارة في اليمين الغموس:
8 -اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة في اليمين الغموس على قولين:
القول الأوّل: عدم وجوب الكفّارة في اليمين الغموس .
وإليه ذهب جمهور الفقهاء - الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة - وهو قول سفيان الثّوريّ وأهل العراق وأبي ثورٍ وأبي عبيدٍ وإسحاق وأصحاب الحديث والأوزاعيّ ومن وافقه من أهل الشّام .
القول الثّاني: وجوب الكفّارة في اليمين الغموس .
وإليه ذهب الشّافعيّة والحكم وعطاء ومعمر .
وسبب اختلاف الفقهاء في ذلك معارضة عموم الكتاب للأثر , وذلك أنّ قوله تعالى: { وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ } توجب أن يكون في اليمين الغموس كفّارة لكونها من الأيمان المنعقدة .
وقوله عليه الصلاة والسلام: « من اقتطع حقّ امرئ مسلمٍ بيمينه فقد أوجب اللّه له النّار وحرّم عليه الجنّة » يوجب أنّ اليمين الغموس ليس فيها كفّارة .
وقد استدلّ كل فريقٍ بأدلّة تؤيّد ما ذهب إليه .
فاستدلّ الجمهور بقوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } , فقد بيّن اللّه عزّ وجلّ فيها جزاء اليمين الغموس بالوعيد في الآخرة , ولم يذكر كفّارةً , فلو كانت الكفّارة فيها واجبةً لكان الأولى بيانها , ولأنّ الكفّارة لو وجبت إنّما تجب لرفع هذا الوعيد المنصوص عليه في الآية فيسقط جرمه , ويلقى اللّه تعالى وهو عنه راضٍ , ولم يستحقّ الوعيد المتوعّد عليه , وهو ما لا يقول به أحد .
قال القرطبي: وكيف لا يكون ذلك , وقد جمع هذا الحالف: الكذب , واستحلال مال الغير , والاستخفاف باليمين باللّه تعالى والتّهاون بها وتعظيم الدنيا ؟ فأهان ما عظّمه اللّه , وعظّم ما حقّره اللّه , وحسبك .
ولهذا قيل: إنّما سمّيت اليمين غموسًا لأنّها تغمس صاحبها في النّار .
وقد روى سحنون عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما في هذه الآية قال: فهذه اليمين في الكذب واقتطاع الحقوق , فهي أعظم من أن تكون فيها كفّارة .
وقد روى ابن مهديٍّ عن العوّام بن حوشبٍ عن إبراهيم السّكسكيّ عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه: أنّ رجلًا حلف على سلعةٍ فقال: واللّه لقد أعطى بها كذا وكذا ولم يعط ، فنزلت هذه الآية: { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا } .
واستدلّ الجمهور كذلك بما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: « خمس ليس لهنّ كفّارة الشّرك باللّه عزّ وجلّ وقتل النّفس بغير حقٍّ وبهت مؤمنٍ والفرار يوم الزّحف ويمين صابرة يقتطع بها مالًا بغير حقٍّ » .
وبحديث ابن عمرٍو رضي الله عنهما قال: « جاء أعرابي إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه ما الكبائر ؟ قال: الكبائر الإشراك باللّه ، قال: ثمّ ماذا ؟ قال: ثمّ عقوق الوالدين ، قال: ثمّ ماذا ؟ قال: ثمّ اليمين الغموس ، قلت: وما اليمين الغموس ؟ قال: الّذي يقتطع مال امرئ هو فيها كاذب » .
ففي الحديثين دلالة واضحة على أنّ اليمين الغموس ليس فيها كفّارة لأنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم عدّها من الكبائر , والكبائر لا كفّارة فيها , فقد اتّفق الفقهاء على أنّ الشّرك وعقوق الوالدين لا كفّارة فيها , وإنّما كفّارتها التّوبة منها , فكذلك اليمين الغموس حكمها حكم ما ذكرت معه .
واستدلّ الجمهور كذلك باتّفاق الصّحابة عليه من غير مخالفٍ , فقد روى آدم بن أبي إياسٍ في مسند شعبة , وإسماعيل القاضي في الأحكام عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه: كنّا نعد الذّنب الّذي لا كفّارة له اليمين الغموس ، أن يحلف الرّجل على مال أخيه كاذبًا ليقتطعه ، قال: ولا مخالف له من الصّحابة .
وقالوا: إنّ الغموس محظور محض , فلا يصلح سببًا لوجوب الكفّارة لكونها أعظم من أن تكفّر , كالزّنا والرّدّة .