واستدلّ الشّافعيّة ومن وافقهم على وجوب الكفّارة لقوله تعالى: { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } مع قوله تعالى: { لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ } .
ووجه الدّلالة من هاتين الآيتين: أنّ اللّه عزّ وجلّ نفى المؤاخذة عن اليمين اللّغو , وهي اليمين من غير قصدٍ , وأثبت المؤاخذة لليمين المقصودة بقوله: { بِمَا عَقَّدتُّمُ } أي قصدتم وصمّمتم , ولا شكّ أنّ اليمين الغموس مقصودة فتجب فيها الكفّارة .
وبما رواه عبد الرّحمن بن سمرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في حديث: « لا تسأل الإمارة وإذا حلفت على يمينٍ فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الّذي هو خير وكفّر عن يمينك » .
وقالوا: إنّ الحالف كذبًا أحوج للكفّارة من غيره , كما أنّ الكفّارة لا تزيده إلا خيرًا , والّذي يجب عليه الرجوع إلى الحقّ ورد المظلمة , فإن لم يفعل وكفّر , فالكفّارة لا ترفع عنه حكم التّعدّي بل تنفعه في الجملة .
الكفّارة في اليمين اللّغو على أمرٍ في المستقبل:
9 -اختلف الفقهاء في وجوب الكفّارة في اليمين اللّغو على أمرٍ في المستقبل - نفيًا كان أو إثباتًا - على قولين:
القول الأوّل: إنّها لغو , وإليه ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة , وبه قال ربيعة ومكحول والأوزاعي واللّيث .
ونقله ابن المنذر وغيره عن ابن عمر وابن عبّاسٍ وغيرهما من الصّحابة رضوان اللّه عليهم , وعن القاسم وعطاءٍ والشّعبيّ وطاوسٍ والحسن .
وقال الشّافعيّة والحنابلة: إنّه لا كفّارة فيها .
واختلف المالكيّة في وجوب الكفّارة فيها , فقال ابن الحاجب: ولا كفّارة في لغو اليمين , وهي اليمين على ما يعتقده ثمّ تبيّن خلافه , ماضيًا أو مستقبلًا .
قال في التّوضيح: مثال الماضي: واللّه ما جاء زيد وهو يعتقد ذلك , ومثال المستقبل: واللّه ما يأتي غدًا وهو يعتقده .
وقال الدّردير: اللّغو والغموس لا كفّارة فيهما إن تعلّقا بماضٍ , وفيهما الكفّارة إن تعلّقا بالمستقبل .
واستدلّ القائلون بعدم الكفّارة بقوله تعالى: { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } .
ووجه الاستدلال من الآية: أنّ اللّه تعالى قابل يمين اللّغو باليمين المكسوبة بالقلب , واليمين المكسوبة هي المقصودة , فكانت اليمين غير المقصودة داخلةً في قسم اللّغو تحقيقًا للمقابلة .
وبما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: أنزلت هذه الآية: { لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ } في قول الرّجل: لا واللّه وبلى واللّه .
ووجه الدّلالة من الحديث: أنّ اللّه تعالى رفع المؤاخذة عن اللّغو مطلقًا , فيلزم منه أنّه لا إثم فيه ولا كفّارة .
القول الثّاني: إنّها ليست لغوًا وفيها الكفّارة .
وإليه ذهب الحنفيّة .
وهو مروي عن زرارة بن أبي أوفى , وعن ابن عبّاسٍ رضي الله تعالى عنهم في روايةٍ ثانيةٍ عنه .
واستدلوا بقوله تعالى: { وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ } .
وقوله تعالى: { وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ } .
ووجه الدّلالة من الآية: أنّ المراد بالأيمان المعقودة: هي اليمين في المستقبل , لأنّ الحفظ عن الحنث وهتك حرمة اسم اللّه تعالى لا يتصوّر إلا في المستقبل , واليمين في المستقبل يمين معقود سواء وجد القصد أم لا , ووجوب الحفظ يقتضي المؤاخذة عند عدمه , فوجبت الكفّارة .
كما استدلوا بما ورد أنّ المشركين لمّا أخذوا حذيفة بن اليمان وأباه رضي الله عنه واستحلفوهما أن لا ينصر محمّدًا صلى الله عليه وسلم وأخبر بذلك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: « انصرفا نفي لهم بعهدهم ونستعين باللّه عليهم » . ووجه الدّلالة: أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم أمر حذيفة بالوفاء رغم أنّه مكره غير قاصدٍ فدلّ ذلك على أنّ عدم القصد لا يمنع انعقاد اليمين ممّن هو من أهله .
وقالوا: كذلك اللّغو ما يكون خاليًا عن الفائدة , والخبر الماضي خالٍ عن فائدة اليمين فكان لغوًا , وأمّا الخبر في المستقبل فإنّ عدم القصد لا يعدم فائدة اليمين , وقد ورد الشّرع بأنّ الهزل والجدّ في اليمين سواء .
تعدد كفّارة اليمين:
10 -ذهب الفقهاء إلى أنّ من حلف على أمورٍ شتّى بيمين واحدةٍ فكفّارته كفّارة يمينٍ واحدةٍ , كما لو قال: واللّه لن آكل ولن أشرب ولن ألبس , فحنث في الجميع فكفّارته واحدة , لأنّ اليمين واحدة والحنث واحد , فإنّه بفعل واحدٍ من المحلوف عليه يحنث وتنحل اليمين .
واختلفوا فيما إذا حلف بأيمان شتّى على شيءٍ واحدٍ بعينه , أو حلف بأيمان شتّى على أشياء متعدّدةٍ:
أ - الحلف على الشّيء بعينه مرّاتٍ كثيرةً:
11 -اختلف الفقهاء فيما يجب بالحنث في الحلف على الشّيء الواحد بعينه مرّاتٍ كثيرةً كأن قال: واللّه لا أفعل كذا , واللّه لا أفعل كذا , ثمّ يفعل المحلوف عليه , على قولين: القول الأوّل: إنّه يجب في ذلك كفّارة يمينٍ واحدةٍ , وإليه ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وهو قول قتادة والحسن وعطاءٍ .