ففي المدوّنة قال: قلت: أرأيت إن قال: واللّه لا أجامعك , واللّه لا أجامعك , أيكون على هذا كفّارة يمينٍ واحدةٍ في قول مالكٍ ؟ قال: نعم ، قلت: أرأيت الرّجل يحلف أن لا يدخل دار فلانٍ , ثمّ يحلف بعد ذلك في مجلسٍ آخر: أنّه لا يدخل دار فلانٍ لتلك الدّار بعينها الّتي حلف عليها أوّل مرّةٍ ؟ قال: قال مالك: إنّما عليه كفّارة واحدة .
وقال الشّافعيّة: إذا قال: عليّ عهد اللّه وميثاقه وذمّته وأمانته وكفالته لأفعلن كذا , فإن نوى اليمين فيمين واحدة , والجمع بين الألفاظ تأكيد , كقوله: واللّه الرّحمن الرّحيم لا يتعلّق بالحنث فيها إلا كفّارة واحدة .
وقال البهوتي: ومن كرّر يمينًا موجبها واحد على فعلٍ واحدٍ كقوله: واللّه لا آكل واللّه لا آكل فكفّارة واحدة لأنّ سببها واحد والظّاهر أنّه أراد التّأكيد .
القول الثّاني: وهو للحنفيّة , وقد فرّقوا بين ما إذا كرّر المقسم به - وهو اسم اللّه تعالى - ولم يذكر المقسم عليه حتّى ذكر اسم اللّه تعالى ثانيًا , ثمّ ذكر المقسم عليه , كأن يقول: واللّه اللّه لا أفعل كذا وكذا , أو يقول: واللّه واللّه لا أفعل كذا وكذا , وبين ما إذا ذكرهما جميعًا , ثمّ أعادهما جميعًا , كأن يقول: واللّه لا أفعل كذا اللّه لا أفعل كذا , أو يقول: واللّه لا أفعل كذا واللّه لا أفعل كذا .
وفي الحالتين إمّا أن يكون التّكرار بحرف العطف أو بدونه , كما ذكر في الأمثلة .
فإذا كان تكرار المقسم به بدون حرف عطفٍ - كما في المثال الأوّل - كانت يمينًا واحدةً بلا خلافٍ في المذهب , سواء كان الاسم متّفقًا كما ذكر أو مختلفًا كقوله: واللّه الرّحمن لا أفعل كذا وكذا .
أمّا إذا دخل بين القسمين حرف عطفٍ - كما في المثال الثّاني - فهما يمينان عند محمّدٍ , وهو إحدى الرّوايتين عن أبي حنيفة وأبي يوسف .
وإذا كان تكرارهما جميعًا , كما إذا ذكرهما جميعًا ثمّ أعادهما فهما يمينان , سواء ذكرهما بحرف العطف أو بدونه , كما في الأمثلة المذكورة , سواء كان ذلك في مجلسين أو في مجلسٍ واحدٍ , بلا خلافٍ في المذهب .
الأدلّة:
أوّلًا: استدلّ جمهور الفقهاء بأنّ سبب الكفّارة واحد , فتلزم عنه كفّارة واحدة , أمّا الجمع بين الألفاظ فإنّه للتّأكيد , لأنّ الثّانية لا تفيد إلا ما أفادته الأولى , فلم يجب أكثر من كفّارةٍ واحدةٍ .
ثانيًا: واستدلّ الحنفيّة بأنّه إذا لم يذكر حرف العطف والاسم مختلف نحو أن يقول: واللّه الرّحمن لا أفعل كذا وكذا , فإنّ الاسم الثّاني يصلح صفةً للأوّل , ومنه يعلم أنّه أراد الصّفّة , فيكون حالفًا بذات موصوفٍ , لا باسم الذّات على حدةٍ , ولا باسم الصّفّة على حدةٍ .
أمّا إذا كان الاسم متّفقًا نحو أن يقول: واللّه اللّه لا أفعل كذا , فإنّ الثّاني لا يصلح نعتًا للأوّل , إنّما يصلح تأكيدًا له , فيكون يمينًا واحدةً , إلا أن ينوي به يمينين , فيصير قوله: اللّه ابتداء يمينٍ بحذف حرف القسم , وهو قسم صحيح .
وهذا بخلاف ما إذا ذكر حرف العطف بين القسمين بأن قال: واللّه والرّحمن لا أفعل كذا , فقد استدلّ من قال إنّهما يمينان بأنّه لمّا عطف أحد اليمينين على الآخر , كان الثّاني غير الأوّل , لأنّ المعطوف غير المعطوف عليه , فكان كل واحدٍ منهما يمينًا على حدةٍ .
أمّا إذا لم يعطف , أحدهما على الآخر فيجعل الثّاني صفةً للأوّل , لأنّه يصلح صفةً , لأنّ الاسم يختلف , ولهذا يستحلف القاضي بالأسماء والصّفّات من غير حرف العطف فيقول: واللّه الرّحمن الرّحيم الطّالب المدرك , ولا يجوز أن يستحلف مع حرف العطف , لأنّه ليس على المدّعى عليه إلا يمين واحدة .
أمّا إذا أعاد المقسم عليه مع الاسم الثّاني , علم أنّه أراد به يمينًا أخرى , إذ لو أراد الصّفة أو التّأكيد لما أعاد المقسم عليه .
ب - الحلف بأيمان متعدّدةٍ على أمورٍ شتّى:
12 -اختلف الفقهاء فيما يجب بالحنث في الحلف بأيمان متعدّدةٍ على أمورٍ شتّى ، نحو أن يقول: واللّه لا أدخل دار فلانٍ , واللّه لا أكلّم فلانًا ففعل ذلك كلّه على قولين:
القول الأوّل: أنّه يجب على الحالف لكلّ يمينٍ كفّارة , وإليه ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة , وهو ظاهر كلام الخرقيّ , ورواية المروزيّ عن أحمد .
القول الثّاني: أنّه يجب على الحالف كفّارة واحدة , وبه قال أحمد في رواية ابن منصورٍ , قال القاضي: وهي الصّحيحة وهو قول محمّدٍ من الحنفيّة .
وقد استدلّ القائلون بتعدد الكفّارات بأنّهنّ أيمان لا يحنث في إحداهنّ بالحنث في الأخرى , فلم تتكفّر إحداها بكفّارة الأخرى , كما لو كفّر عن إحداها قبل الحنث في الأخرى , وكالأيمان المختلفة الكفّارة , وبهذا فارق الأيمان على شيءٍ واحدٍ , فإنّه متى حنث في إحداها كان حانثًا في الأخرى , فإن كان الحنث واحدًا كانت الكفّارة واحدةً , وهاهنا تعدّد الحنث , فتعدّدت الكفّارات .
وفارق الحدود فإنّها وجبت للزّجر وتندرئ بالشبهات بخلاف مسألتنا , ولأنّ الحدود عقوبة بدنيّة , فالموالاة بينها ربّما أفضت إلى التّلف فاجتزئ بإحداها , وهاهنا الواجب إخراج مالٍ يسيرٍ أو صيام ثلاثة أيّامٍ , فلا يلزم الضّرر الكثير بالموالاة فيه , ولا يخشى منه التّلف . بينما استدلّ أصحاب القول الثّاني بأنّها كفّارات من جنسٍ فتداخلت كالحدود من جنسٍ , وإن اختلف محالها بأن يسرق من جماعةٍ أو يزني بنساء .
تقديم كفّارة اليمين قبل الحنث:
13 -لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز التّكفير قبل اليمين , لأنّه تقديم الحكم قبل سببه , كتقديم الزّكاة قبل ملك النّصاب , وكتقديم الصّلاة قبل دخول وقتها .