ولا خلاف بينهم في جواز تأخير الكفّارة بعد اليمين والحنث .
كما لا خلاف بينهم - أيضًا - في عدم وجوب الكفّارة قبل الحنث .
وإنّما الخلاف بينهم في جواز التّكفير بعد اليمين وقبل الحنث .
وقد اختلفوا في ذلك على قولين:
القول الأوّل: يرى أصحابه جواز التّكفير قبل الحنث , وإليه ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة , وهو مروي عن عمر وعبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن عبّاسٍ , وسلمان وعبد الرّحمن بن سمرة رضي الله عنهم .
قال ابن المنذر: وهو رأي ربيعة والأوزاعيّ ومالكٍ واللّيث وسائر فقهاء الأمصار , وذكر عياض وجماعة: أنّ عدّة من قال بجواز تقديم الكفّارة أربعة عشر صحابيًا .
وقيّد الشّافعيّة جواز التّكفير قبل الحنث بما إذا كفّر بغير الصّوم ولم يكن الحنث معصيةً . وقال المالكيّة والشّافعيّة: يستحب أن يؤخّر التّكفير عند الحنث خروجًا من الخلاف .
القول الثّاني: يرى أصحابه عدم جواز التّكفير قبل الحنث , إليه ذهب الحنفيّة , وأشهب من المالكيّة , ونقله الباجي عن مالكٍ .
واستدلّ القائلون بأنّ الكفّارة تجزئ قبل الحنث , بقوله تعالى: { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } .
ووجه الدّلالة من الآية: أنّ اللّه تعالى أوجب الكفّارة بإرادة الحنث لأنّ التّقدير: إذا حلفتم فأردتم الحنث , كما أنّ ظاهر الآية يفيد أنّ الكفّارة وجبت بنفس اليمين فيجوز التّكفير قبل الحنث , لتكون الكفّارة محلّلةً لليمين .
كما استدلوا بما ورد عن عبد الرّحمن بن سمرة رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « يا عبد الرّحمن إذا حلفت على يمينٍ فرأيت غيرها خيرًا منها فكفّر عن يمينك وائت الّذي هو خير » وفي روايةٍ: « ثمّ ائت الّذي هو خير » .
ووجه الدّلالة من هذا الحديث: أنّه صريح في تقديم الكفّارة على الحنث , حيث أمر صلى الله عليه وسلم بالتّكفير عن اليمين , ثمّ عطف الإتيان بغير المحلوف عليه بثمّ الّتي تفيد التّرتيب والتّراخي , فدلّ هذا دلالةً واضحةً على إجزاء الكفّارة قبل الحنث .
كما استدلوا بالقياس على كفّارة الظّهار والقتل بعد الجراح , فكما يجوز تقديم كفّارة الظّهار على العود , والقتل الخطأ بعد الجراح وقبل الموت كذلك يجوز تقديم كفّارة اليمين قبل الحنث , لأنّه كفّر بعد سببه فجاز .
وبأنّ عقد اليمين لمّا كان يحله الاستثناء وهو كلام , فلأن تحلّه الكفّارة وهو فعل مالي أو بدني أولى .
واستدلّ القائلون بعدم جواز التّكفير قبل الحنث: بقوله تعالى: { وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ } مع قوله تعالى: { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } .
ووجه الدّلالة من هذه الآية واضح على أنّ الكفّارة للحنث وليست لليمين من وجهين:
الأوّل: تصويره في صدر الآية نفي مؤاخذتنا عن لغو اليمين وأنّه سبحانه وتعالى يؤاخذنا بما عقّدنا من الأيمان والوفاء بها , كقوله عزّ وجلّ: { وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } , فإن تركتم ذلك فكفّارته كذا .
وكذلك قوله تعالى: { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } تقديره: أي فتركتم المحافظة , ألا ترى أنّه قال عزّ وجلّ: { وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ } , والمحافظة تكون بالبرّ .
الثّاني: أن يكون على إضمار الحنث , أي ولكن يؤاخذكم بحنثكم فيما عقّدتم , وكذا في قوله تعالى: { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } , أي إذا حلفتم وحنثتم , كما في قوله تعالى: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } , معناه: فحلق عامدًا أو غطّى رأسه ففدية من صيامٍ .
وقوله عزّ وجلّ: { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } , معناه: فتحلّل .
وقوله عزّ وجلّ: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } , فأفطر فعدّة من أيّامٍ أخر , لأنّ ظاهر الملفوظ وهو القدر الّذي هو سبب التّخفيف لا يصلح سببًا للوجوب فصار استعمال الرخصة مضمرًا فيه , كذلك هاهنا لا تصلح اليمين الّتي هي تعظيم الرّبّ جلّ جلاله سببًا لوجوب التّكفير , فيجب إضمار ما هو صالح وهو الحنث .
كما استدلوا بما ورد عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « من حلف على يمينٍ فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الّذي هو خير وليكفّر عن يمينه » .
وفي حديثٍ آخر: « إنّي واللّه إن شاء اللّه لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الّذي هو خير وتحلّلتها » .
ووجه الدّلالة من هذا الحديث: أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بيّن أنّ الكفّارة تجب بالحنث , لأنّها لو كانت واجبةً بنفس اليمين لقال عليه الصلاة والسلام: من حلف على يمينٍ فليكفّر ، من غير التّعرض لمّا وقع عليه اليمين وألزم الحنث إذا كان خيرًا ثمّ التّكفير .
فلمّا خصّ اليمين على ما كان الحنث خيرًا من البرّ بالنّقض والكفّارة , علم أنّها تختص بالحنث دون اليمين نفسها , وأنّها لا تجب بعقد اليمين دون الحنث .
وقالوا: لا يصح التّكفير قبل الحنث في اليمين , سواء كان بالمال أو بالصّوم لأنّ الكفّارة لستر الجناية ولا جناية , واليمين ليست بسبب , لأنّها مانعة من الحنث غير مفضيةٍ بخلاف التّكفير بعد الجرح قبل الموت لأنّه مفضي .
ثانيًا: القتل:
14 -لا خلاف بين الفقهاء في وجوب الكفّارة في القتل شبه العمد والخطأ وما أجري مجرى الخطأ .
وإنّما الخلاف بينهم في وجوبها في القتل العمد والقتل بسبب .
الكفّارة في القتل العمد: