فهرس الكتاب

الصفحة 1724 من 2053

ليلة القدر *

التّعريف:

1 -ليلة القدر تتركّب من لفظين: أوّلهما: ليلة وهي في اللغة: من غروب الشّمس إلى طلوع الفجر , ويقابلها النّهار .

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي له عن المعنى اللغويّ .

وثانيهما: القدر , ومن معاني القدر في اللغة: الشّرف والوقار , ومن معانيه: الحكم والقضاء والتّضييق .

واختلف الفقهاء في المراد من القدر الّذي أضيفت إليه اللّيلة فقيل: المراد به التّعظيم والتّشريف , ومنه قوله تعالى: { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } , والمعنى: أنّها ليلة ذات قدرٍ وشرفٍ لنزول القرآن فيها , ولما يقع فيها من تنزل الملائكة , أو لما ينزل فيها من البركة والرّحمة والمغفرة , أو أنّ الّذي يحييها يصير ذا قدرٍ وشرفٍ .

وقيل: معنى القدر هنا التّضييق كمثل قوله تعالى: { وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } ومعنى التّضييق فيها إخفاؤُها عن العلم بتعيينها , أو لأنّ الأرض تضيق فيها عن الملائكة , وقيل: القدر هنا بمعنى القدَر - بفتح الدّال - وهو مؤاخي القضاء: أي بمعنى الحكم والفصل والقضاء , قال العلماء: سمّيت ليلة القدر لما تكتب فيها الملائكة من الأرزاق والآجال وغير ذلك ممّا سيقع في هذه السّنة بأمر من اللّه سبحانه لهم بذلك , وذلك ما يدل عليه قول اللّه تعالى: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ، أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } , حيث ذهب جمهور العلماء إلى أنّ اللّيلة المباركة الواردة في هذه الآية هي ليلة القدر , وليست ليلة النّصف من شعبان كما ذهب إليه بعض المفسّرين .

قال ابن قدامة: ليلة القدر هي ليلة شريفة مباركة معظّمة مفضّلة ثمّ قال: وقيل: إنّما سمّيت ليلة القدر لأنّه يقدّر فيها ما يكون في تلك السّنة من خيرٍ ومصيبةٍ , ورزقٍ وبركةٍ .

الأحكام المتعلّقة بليلة القدر:

فضل ليلة القدر:

2 -ذهب الفقهاء إلى أنّ ليلة القدر أفضل اللّيالي , وأنّ العمل الصّالح فيها خير من العمل الصّالح في ألف شهرٍ ليس فيها ليلة القدر , قال تعالى: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } , وأنّها اللّيلة المباركة الّتي يفرق فيها كل أمرٍ حكيمٍ , والّتي ورد ذكرها في قوله تعالى: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } .

وورد في فضلها أيضًا بالإضافة إلى ما سبق قول اللّه تعالى: { تَنَزَّلُ الْمَََلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ } , قال القرطبي: أي تهبط من كلّ سماءٍ ومن سدرة المنتهى فينزلون إلى الأرض ويؤمّنون على دعاء النّاس إلى وقت طلوع الفجر , وتنزل الملائكة والروح في ليلة القدر بالرّحمة بأمر اللّه تعالى وبكلّ أمرٍ قدّره اللّه وقضاه في تلك السّنة إلى قابلٍ .

وفي فضل ليلة القدر أيضًا قال اللّه تعالى: { سَََلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } أي أنّ ليلة القدر سلامة وخير كلها لا شرّ فيها إلى طلوع الفجر , قال الضّحّاك: لا يقدّر اللّه في تلك اللّيلة إلا السّلامة وفي سائر اللّيالي يقضي بالبلايا والسّلامة , وقال مجاهد: هي ليلة سالمة لا يستطيع الشّيطان أن يعمل فيها سوءًا ولا أذىً .

إحياء ليلة القدر:

3 -اتّفق الفقهاء على أنّه يندب إحياء ليلة القدر لفعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقد روى أبو سعيدٍ الخدري رضي الله تعالى عنه: « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم جاور في العشر الأواخر من رمضان » , ولما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « كان إذا دخل العشر أحيا اللّيل وأيقظ أهله وشدّ المئزر » , والقصد منه إحياء ليلة القدر ولقوله صلى الله عليه وسلم: « من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه » .

ويكون إحياء ليلة القدر بالصّلاة وقراءة القرآن والذّكر والدعاء , وغير ذلك من الأعمال الصّالحة , وأن يكثر من دعاء: اللّهمّ إنّك عفوٌّ تحب العفو فاعف عنّي , لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: « قلت: يا رسول اللّه أرأيت إن علمت أيّ ليلةٍ ليلة القدر ما أقول فيها ؟ قال: قولي اللّهمّ إنّك عفوٌّ كريم تحب العفو فاعف عنّي » , قال ابن علان: بعد ذكر هذا الحديث: فيه إيماء إلى أنّ أهمّ المطالب انفكاك الإنسان من تبعات الذنوب وطهارته من دنس العيوب , فإنّ بالطّهارة من ذلك يتأهّل للانتظام في سلك حزب اللّه وحزب اللّه هم المفلحون .

اختصاص الأمّة المحمّديّة بليلة القدر:

4 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ ليلة القدر خاصّة بالأمّة المحمّديّة ولم تكن في الأمم السّابقة , واستدلوا بما روي عن مالك بن أنسٍ: أنّه سمع من يثق به من أهل العلم يقول: « إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أري أعمار النّاس قبله ، أو ما شاء اللّه من ذلك ، فكأنّه تقاصر أعمار أمّته أن لا يبلغوا من العمل مثل الّذي بلغ غيرهم في طول العمر ، فأعطاه اللّه ليلة القدر خير من ألف شهرٍ » .

وبما روي: « أنّ رجلًا من بني إسرائيل لبس السّلاح في سبيل اللّه تعالى ألف شهرٍ فعجب المسلمون من ذلك فأنزل اللّه عزّ وجلّ: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت