وذهب بعضهم إلى أنّ ليلة القدر كانت في الأمم السّابقة واحتجوا بحديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه وفيه: « قلت يا رسول اللّه أخبرني عن ليلة القدر أفي كلّ رمضان هي ؟ قال: نعم ، قلت أفتكون مع الأنبياء فإذا رفعوا رفعت أو إلى يوم القيامة ؟ قال: بل هي إلى يوم القيامة » .
بقاء ليلة القدر:
5 -اختلف العلماء في بقاء ليلة القدر:
فذهب الجمهور إلى أنّ ليلة القدر باقية إلى يوم القيامة لحديث أبي ذرٍّ في المسألة السّابقة وللأحاديث الكثيرة الّتي تحث المسلم على طلبها والاجتهاد في إدراكها , ومنها قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدّم من ذنبه » , وقوله صلى الله عليه وسلم: « تحرّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان » .
وذهب بعض العلماء إلى أنّ ليلة القدر رفعت أصلًا ورأسًا , قال ابن حجرٍ: حكاه المتولّي في التّتمّة عن الرّوافض والفاكهاني في شرح العمدة عن الحنفيّة وكأنّه خطأ , والّذي حكاه السروجي أنّه قول الشّيعة .
وقد روى عبد الرّزّاق عن عبد اللّه بن يحنس قلت لأبي هريرة رضي الله عنه: زعموا أنّ ليلة القدر رفعت ، قال: كذب من قال ذلك , وعن عبد اللّه بن شريكٍ قال: ذكر الحجّاج ليلة القدر فكأنّه أنكرها فأراد زر بن حبيشٍ أن يحصبه فمنعه قومه .
محل ليلة القدر:
6 -اختلف الفقهاء في محلّ ليلة القدر:
فذهب جمهورهم وهو المذهب عند الحنفيّة إلى أنّ محلّ ليلة القدر في رمضان دائرة معه , لأنّ اللّه سبحانه وتعالى أخبر أنّه أنزل القرآن في ليلة القدر بقوله: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ } .
وأخبرنا كذلك أنّه أنزل القرآن في شهر رمضان بقوله تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } , الآية , ممّا يدل على أنّ ليلة القدر منحصرة في شهر رمضان دون سائر ليالي السّنة الأخرى .
كما استدلوا بالأحاديث الصّحيحة والّتي سبق نقلها وهي تدل على أنّ محلّ ليلة القدر في شهر رمضان .
وذهب بعض العلماء ومنهم عبد اللّه بن مسعودٍ رضي الله عنه وأبو حنيفة في المشهور عنه إلى أنّ محلّ ليلة القدر في جميع السّنة تدور فيها , قد تكون في رمضان وقد تكون في غير رمضان فقد روي عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه أنّه كان يقول:"من يقم الحول يصب ليلة القدر"مشيرًا إلى أنّها في السّنة كلّها , ولمّا بلغ قوله هذا إلى ابن عمر رضي الله عنهما قال: يرحم اللّه أبا عبد الرّحمن أما إنّه علم أنّها في العشر الأواخر من شهر رمضان ولكنّه أراد ألا يتّكل النّاس .
7 -واختلف جمهور الفقهاء الّذين ذهبوا إلى أنّ ليلة القدر في شهر رمضان في محلّها من الشّهر وذلك بعدما قالوا: يستحب طلب ليلة القدر في جميع ليالي رمضان وفي العشر الأواخر آكد , وليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان آكد , للأحاديث السّابقة .
وفيما يلي أقوال العلماء في محلّها:
القول الأوّل: الصّحيح المشهور لدى جمهور الفقهاء , وهم المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة , والأوزاعي وأبو ثورٍ: أنّها في العشر الأواخر من رمضان لكثرة الأحاديث الّتي وردت في التماسها في العشر الأواخر من رمضان , وتؤكّد أنّها في الأوتار ومنحصرة فيها .
والأشهر والأظهر عند المالكيّة أنّها ليلة السّابع والعشرين .
وبهذا يقول الحنابلة , فقد صرّح البهوتي بأنّ أرجاها ليلة سبعٍ وعشرين نصًا .
القول الثّاني: قال ابن عابدين: ليلة القدر دائرة مع رمضان , بمعنى أنّها توجد كلّما وجد , فهي مختصّة به عند الإمام وصاحبيه , لكنّها عندهما في ليلةٍ معيّنةٍ منه , وعنده لا تتعيّن . وقال الطّحطاوي: ذهب الأكثر إلى أنّ ليلة القدر ليلة سبعٍ وعشرين , وهو قول ابن عبّاسٍ وجماعةٍ من الصّحابة رضي الله عنهم , ونسبه العيني في شرح البخاريّ إلى الصّاحبين . القول الثّالث: قال النّووي: مذهب الشّافعيّة وجمهور أصحابنا أنّها منحصرة في العشر الأواخر من رمضان مبهمة علينا , ولكنّها في ليلةٍ معيّنةٍ في نفس الأمر لا تنتقل عنها ولا تزال من تلك اللّيلة إلى يوم القيامة , وكل ليالي العشر الأواخر محتملة لها , لكن ليالي الوتر أرجاها , وأرجى الوتر عند الشّافعيّ ليلة الحادي والعشرين , وقال الشّافعي في موضعٍ إلى ثلاثةٍ وعشرين , وقال البندنيجي: مذهب الشّافعيّ أنّ أرجاها ليلة إحدى وعشرين , وقال في القديم: ليلة إحدى وعشرين أو ثلاثٍ وعشرين فهما أرجى لياليها عنده , وبعدهما ليلة سبعٍ وعشرين .
هذا هو المشهور في المذهب أنّها منحصرة في العشر الأواخر من رمضان .
وقال الشّربيني الخطيب: .. وقال ابن عبّاسٍ وأبيّ رضي الله عنهم: هي ليلة سبعٍ وعشرين وهو مذهب أكثر أهل العلم .
القول الرّابع: أنّها أوّل ليلةٍ من رمضان , وهو قول أبي رزينٍ العقيليّ الصّحابيّ لقول أنسٍ رضي الله عنه: ليلة القدر أوّل ليلةٍ من رمضان , نقلها عنهما ابن حجرٍ .