القول الخامس: أنّها ليلة سبع عشرة من رمضان , روى ابن أبي شيبة والطّبراني من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: ما أشك ولا أمتري أنّها ليلة سبع عشرة من رمضان ليلة أنزل القرآن , وروي ذلك عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه بحجّة أنّها هي اللّيلة الّتي كانت في صبيحتها وقعة بدرٍ ونزل فيها القرآن لقوله تعالى: { وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ } , وهو ما يتوافق تمامًا مع قوله تعالى في ليلة القدر: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } .
القول السّادس: أنّها مبهمة في العشر الأوسط , حكاه النّووي وقال به بعض الشّافعيّة وهو قول للمالكيّة وعزاه الطّبريّ إلى عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه والحسن البصريّ . القول السّابع: أنّها ليلة تسع عشرة , قال ابن حجرٍ: رواه عبد الرّزّاق عن عليٍّ رضي الله عنه وعزاه الطّبريّ لزيد بن ثابتٍ وابن مسعودٍ رضي الله عنهما ووصله الطّحاوي عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه .
القول الثّامن: أنّها متنقّلة في ليالي العشر الأواخر تنتقل في بعض السّنين إلى ليلةٍ وفي بعضها إلى غيرها , وذلك جمعًا بين الأحاديث الّتي وردت في تحديدها في ليالٍ مختلفةٍ من شهر رمضان عامّةً ومن العشر الأواخر خاصّةً , لأنّه لا طريق إلى الجمع بين تلك الأحاديث إلا بالقول بأنّها متنقّلة , وأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يجيب على نحو ما يسأل , فعلى هذا كانت في السّنة الّتي رأى أبو سعيدٍ رضي الله عنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطّين ليلة إحدى وعشرين , وفي السّنة الّتي أمر عبد اللّه ابن أنيسٍ بأن ينزل من البادية ليصلّي في المسجد ليلة ثلاثٍ وعشرين , وفي السّنة الّتي رأى أبي بن كعبٍ رضي الله عنه علامتها ليلة سبعٍ وعشرين , وقد ترى علامتها في غير هذه اللّيالي , وهذا قول مالكٍ وأحمد والثّوريّ وإسحاق وأبي ثورٍ وأبي قلابة والمزنيّ وصاحبه أبي بكرٍ محمّد ابن إسحاق بن خزيمة والماورديّ وابن حجرٍ العسقلانيّ من الشّافعيّة , وقال النّووي: وهذا هو الظّاهر المختار , لتعارض الأحاديث الصّحيحة في ذلك ولا طريق إلى الجمع بين الأحاديث إلا بانتقالها , وقيل: إنّ ليلة القدر متنقّلة في شهر رمضان كلّه .
قال بعض أهل العلم: أبهم اللّه تعالى هذه اللّيلة على الأمّة ليجتهدوا في طلبها , ويجدوا في العبادة طمعًا في إدراكها كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة ليكثروا من الدعاء في اليوم كلّه , وأخفى اسمه الأعظم في الأسماء , ورضاه في الطّاعات ليجتهدوا في جميعها , وأخفى الأجل وقيام السّاعة ليجدّ النّاس في العمل حذرًا منهما .
ما يشترط لنيل فضل ليلة القدر:
8 -نصّ فقهاء المالكيّة والشّافعيّة على مسألة اشتراط العلم بليلة القدر لنيل فضلها أو عدم اشتراطه واختلفوا في ذلك:
فذهب بعض المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه لا ينال فضل ليلة القدر إلا من أطلعه اللّه عليها , فلو قام إنسان ولم يشعر بها لم ينل فضلها .
وقال آخرون من فقهاء المذهبين: إنّه لا يشترط لنيل فضل ليلة القدر العلم بها , ويستحب التّعبد في كلّ ليالي العشر الأواخر من رمضان حتّى يحوز الفضيلة على اليقين .
ورجّح فقهاء المذهبين الرّأي الثّاني وقالوا: ومع ذلك فإنّ حال من اطّلع على ليلة القدر أكمل وأتم في الفضل إذا قام بوظائفها .
علامات ليلة القدر:
9 -قال العلماء: لليلة القدر علامات يراها من شاء اللّه من عباده في كلّ سنةٍ من رمضان , لأنّ الأحاديث وأخبار الصّالحين ورواياتهم تظاهرت عليها:
فمنها ما ورد من حديث عبادة بن الصّامت رضي الله عنه مرفوعًا: « إنّها صافية بلجة كأنّ فيها قمرًا ساطعًا ساكنة ساجية لا برد فيها ولا حرّ ولا يحل لكوكب أن يُرمى به فيها حتّى تصبح وأنّ من أمارتها أنّ الشّمس صبيحتها تخرج مستويةً ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر ولا يحل للشّيطان أن يخرج معها يومئذٍ » .
وعن أبي بن كعبٍ رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « إنّ الشّمس تطلع يومئذٍ لا شعاع لها » .
ومنها ما ورد من قول ابن مسعودٍ رضي الله عنه: أنّ الشّمس تطلع كلّ يومٍ بين قرني شيطانٍ إلا صبيحة ليلة القدر .
كتمان ليلة القدر:
10 -اتّفق العلماء على أنّه يستحب لمن رأى ليلة القدر أن يكتمها .
والحكمة في كتمانها كما ذكرها ابن حجرٍ نقلًا عن الحاوي أنّها كرامة والكرامة ينبغي كتمانها بلا خلافٍ بين أهل الطّريق من جهة رؤية النّفس , فلا يأمن السّلب , ومن جهةٍ أن لا يأمن الرّياء , ومن جهة الأدب فلا يتشاغل عن الشكر للّه بالنّظر إليها وذكرها للنّاس , ومن جهةٍ أنّه لا يأمن الحسد فيوقع غيره في المحذور .
قال ابن حجرٍ العسقلاني: ويستأنس له بقول يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لابنه يوسف عليه السلام: { يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } .