فهرس الكتاب

الصفحة 1933 من 2053

مُفَارَقة *

التّعريف:

1 -المفارقة في اللغة: مصدر الفعل فارق ومادّته: فرّق , يقال: فرّق بين الشّيئين فرقًا وفرقانًا: إذا فصل وميّز أحدهما عن الآخر وفارقه مفارقةً وفرقًا: باعده , وتفارق القوم: فارق بعضهم بعضًا , وفارق فلان امرأته مفارقةً: باينها , والتّفرق والافتراق سواء , وفي الحديث: « البيّعان بالخيار ما لم يتفرّقا » .

والفراق: الفرقة وأكثر ما تكون بالأبدان , ويكون بالأقوال مجازًا .

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ .

الألفاظ ذات الصّلة:

أ - المتاركة:

2 -المتاركة في اللغة: يقال: ترك الشّيء: خلاه , وتركت الشّيء: خلّيته , وتاركته البيع متاركةً أي صالحته على تركه , وتركت الرّجل: فارقت ثمّ استعير للإسقاط في المعاني فقيل: ترك حقّه إذا أسقطه , وترك ركعةً من الصّلاة: إذا لم يأت بها .

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ .

وعلى هذا فالمتاركة أعم من المفارقة .

ب - المجاوزة:

3 -المجاوزة في اللغة: يقال جاوزت الموضع جوازًا ومجاوزةً بمعنى جزته , وجاوزت الشّيء إلى غيره وتجاوزته تعدّيته , وتجاوزت عن المسيء: عفوت عنه .

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغويّ .

والمجاوزة أعم من المفارقة .

الأحكام المتعلّقة بالمفارقة:

تتعلّق بالمفارقة أحكام منها:

أوّلًا: المفارقة في العبادات:

المفارقة في صلاة الجماعة:

المراد بالمفارقة في صلاة الجماعة ترك أحد المصلّين صلاة الجماعة , وهذه المفارقة قد تكون ممتنعةً , وقد تكون جائزةً , وقد تكون واجبةً , وبيان ذلك فيما يلي:

امتناع مفارقة المأموم صلاة الجماعة بدون عذرٍ:

4 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة والشّافعيّة في القديم إلى أنّه لا يجوز أن يفارق المقتدي إمامه بدون عذرٍ فلا ينتقل من في جماعةٍ إلى الانفراد , لأنّ المأموميّة تلزم بالشروع , وإن لم تجب ابتداءً كما يقول المالكيّة , لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « إنّما جعل الإمام ليؤتمّ به فلا تختلفوا عليه » , ولأنّه ترك متابعة إمامه وانتقل من الأعلى للأدنى بغير عذرٍ أشبه ما لو نقلها إلى النّفل .

وإذا انتقل المأموم من الجماعة إلى الانفراد بدون عذرٍ بطلت صلاته عند الحنفيّة والمالكيّة وفي أصحّ الرّوايتين عند الحنابلة وفي القول القديم للشّافعيّة , لأنّه من ترك المتابعة بغير عذرٍ أشبه ما لو تركها من غير نيّة المفارقة .

ولأنّه كما يقول الشّافعيّة في القديم التزم القدوة في كلّ صلاته وفيه إبطال العمل , وقد قال اللّه تعالى: { وَََلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } .

والمذهب عند الشّافعيّة والرّواية الثّانية عند الحنابلة أنّ الصّلاة صحيحة لكن مع الكراهة عند الشّافعيّة - أي كراهة المفارقة - , واستدلّ الشّافعيّة على صحّة صلاة المأموم مع المفارقة بأنّ صلاة الجماعة إمّا سنّة على قولٍ والسنن لا تلزم بالشروع إلا في الحجّ والعمرة , وإمّا فرض كفايةٍ على الصّحيح فكذلك إلا في الجهاد وصلاة الجنازة والحجّ والعمرة , ولأنّ الفرقة الأولى فارقت النّبيّ صلى الله عليه وسلم في ذات الرّقاع , وعلّل الحنابلة الصّحّة - كما قال ابن قدامة - بأنّ المنفرد لو نوى كونه مأمومًا لصحّ في روايةٍ . فنيّة الانفراد أولى , فإنّ المأموم قد يصير منفردًا بغير نيّةٍ وهو المسبوق إذا سلّم إمامه , وغيره لا يصير مأمومًا بغير نيّةٍ بحال .

جواز مفارقة المأموم صلاة الجماعة بعذر:

5 -ذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّه يجوز للمأموم أن يفارق صلاة الجماعة وينوي الانفراد إذا كان ذلك لعذر , ولم يجز الحنفيّة المفارقة مطلقًا ولو بعذر .

واستدلّ القائلون بجواز المفارقة بما رواه جابر رضي الله عنه قال: « كان معاذ بن جبلٍ يصلّي مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم العشاء ثمّ يرجع إلى قومه بني سلمة فيصلّيها بهم ، وأنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أخّر العشاء ذات ليلةٍ فصلاها معاذ معه ثمّ رجع فأمّ قومه ، فافتتح بسورة البقرة فتنحّى رجل من خلفه فصلّى وحده فلمّا انصرف قالوا: نافقت يا فلان ، فقال: ما نافقت ولكنّي آتي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فأخبره ، فأتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول اللّه إنّك أخّرت العشاء البارحة وإنّ معاذًا صلاها معك ثمّ رجع فأمّنا فافتتح سورة البقرة فتنحّيت فصلّيت وحدي وإنّما نحن أهل نواضح نعمل بأيدينا ، فالتفت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى معاذٍ فقال: أفتّان أنت يا معاذ ؟ أفتّان أنت ؟ اقرأ بسبّح اسم ربّك الأعلى ، والسّماء والطّارق ، والسّماء ذات البروج ، والشّمس وضحاها ، واللّيل إذا يغشى ونحوها » , ولم يأمر النّبي صلى الله عليه وسلم الرّجل بالإعادة ولا أنكر عليه فعله .

غير أنّهم اختلفوا في الأعذار الّتي تجوز معها المفارقة , فمن الأعذار الّتي تجيز مفارقة الإمام تطويل الإمام في الصّلاة طولًا لا يصبر معه المأموم لضعف أو شغلٍ ففي هذه الحالة يجوز للمأموم أن يفارق الإمام وينوي الانفراد ويتمّ صلاته منفردًا لما سبق في قصّة معاذٍ رضي اللّه تعالى عنه .

وهذا العذر متّفق عليه بين المالكيّة والحنابلة وفي الصّحيح عند الشّافعيّة .

وزاد الشّافعيّة من الأعذار الّتي يجوز للمأموم أن يفارق إمامه في الصّلاة أن يترك الإمام سنّةً مقصودةً كالتّشهد الأوّل أو القنوت فله فراقه ليأتي بتلك السنّة .

واعتبر إمام الحرمين أنّ الأعذار الّتي يجوز معها ترك الجماعة ابتداءً تجوز معها المفارقة أثناء الصّلاة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت