وقال الحنابلة: من أحرم مأمومًا ثمّ نوى الانفراد لعذر يبيح ترك الجماعة كتطويل إمامٍ وكمرض وكغلبة نعاسٍ أو غلبة شيءٍ يفسد صلاته كمدافعة أحد الأخبثين أو خوفٍ على أهلٍ أو مالٍ أو خوف فوت رفقةٍ أو خرج من الصّفّ مغلوبًا لشدّة زحامٍ ولم يجد من يقف معه ونحو ذلك من الأعذار صحّ انفراده فيتم صلاته منفردًا لحديث جابرٍ رضي اللّه تعالى عنه في قصّة معاذٍ رضي اللّه تعالى عنه ، قالوا: ومحل إباحة المفارقة لعذر إن استفاد من فارق لتدارك شيءٍ يخشى فواته أو غلبة نعاسٍ أو خوف ضررٍ ونحوه بمفارقة إمامه تعجيل لحوقه قبل فراغ إمامه من صلاته ليحصل مقصوده من المفارقة فإن كان الإمام يعجل ولا يتميّز انفراده عنه بنوع تعجيلٍ لم يجز له الانفراد لعدم الفائدة فيه , وأمّا من عذره الخروج من الصّفّ فله المفارقة مطلقًا لأنّ عذره خوف الفساد بالفَذِّية وذلك لا يتدارك بالسرعة , وفصّل الحنابلة فيما إذا نوى المأموم المفارقة فقالوا: وإذا فارق المأموم الإمام لعذر ممّا تقدّم في قيامٍ قبل قراءة الإمام الفاتحة قرأ المأموم لنفسه لصيرورته منفردًا قبل سقوط فرض القراءة عنه بقراءة الإمام , وإن فارقه بعد قراءة الفاتحة فله الركوع في الحال لأنّ قراءة الإمام قراءة للمأموم , وإن فارقه في أثناء القراءة فإنّه يكمّل ما بقي من الفاتحة .
وإن كان في صلاة سرٍّ كظهر وعصرٍ , أو في الأخيرتين من العشاء مثلًا وفارق الإمام لعذر بعد قيامه وظنّ أنّ إمامه قرأ لم يقرأ , أي لم تلزمه القراءة إقامةً للظّنّ مقام اليقين , قال البهوتي: الاحتياط القراءة .
وجوب المفارقة:
من الأحوال الّتي يجب فيها على المأموم مفارقة صلاة الجماعة ما يلي:
أ - انحراف الإمام عن القبلة:
6 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه إذا انحرف الإمام عن القبلة فإنّه يجب على المأموم مفارقته ويصلّي منفردًا .
ولو اجتهد اثنان في القبلة واتّفق اجتهادهما وصلّى أحدهما بالآخر وتغيّر اجتهاد أحدهما لزمه الانحراف إلى الجهة الّتي تغيّر اجتهاده إليها لأنّها ترجّحت في ظنّه فتعيّنت عليه وأتمّ صلاته وينوي المأموم الّذي ائتمّ بالآخر مفارقة إمامه للعذر المانع له من اقتدائه به وهو التّغير .
وقال الحنفيّة: والمقتدي إذا ظهر له وهو وراء الإمام أنّ القبلة غير الجهة الّتي يصلّي إليها الإمام لا يمكنه إصلاح صلاته لأنّه إذا استدار خالف إمامه في الجهة قصدًا وهو يفسد وإلا كان متمًا صلاته إلى ما هو غير القبلة عنده وهو مفسد أيضًا .
ب - تلبس الإمام بما يبطل صلاته:
7 -لو رأى المأموم في أثناء الصّلاة الإمام متلبّسًا بما يبطل الصّلاة كأن رأى على ثوبه أو بدنه نجاسةً أو تبيّن أنّ الإمام محدث أو جنب فإنّه يجب على المأموم مفارقته ويتم صلاته منفردًا بانيًا على ما صلّى مع الإمام , وهذا عند المالكيّة والشّافعيّة في الجملة .
قال المالكيّة: إن علم المأموم حدث إمامه في الصّلاة ولم يستمرّ معه بل فارقه وصلّى لنفسه منفردًا أو مستخلفًا فتصح للمأمومين , ومفهومه أنّه لو علم بحدث إمامه في الصّلاة واستمرّ معه بطلت عليهم .
وقالوا: لو رأى المأموم نجاسةً على إمامه وأراه إيّاها فورًا واستخلف الإمام من حين ذلك فتبطل صلاة الإمام دون المأمومين واختار ابن ناجي البطلان للجميع , وقال الشّافعيّة: إن استمرّ المأموم في هذه الحالة على المتابعة لحظةً أو لم ينو المفارقة بطلت صلاته بالاتّفاق - أي اتّفاق فقهاء الشّافعيّة - لأنّه صلّى بعض صلاته خلف محدثٍ مع علمه بحدثه , وممّن صرّح ببطلان صلاته إذا لم ينو المفارقة ولم يتابعه في الأفعال الشّيخ أبو حامدٍ والقاضي أبو الطّيّب في تعليقهما والمحاملي وخلائق من كبار الأصحاب , وسواء كان الإمام عالمًا بحدث نفسه أم لا , لأنّه لا تفريط من المأموم في الحالين , وهذا هو المذهب وبه قطع الجمهور كما قال النّووي .
وقال الشّافعيّة أيضًا: لو كان المأموم قارئًا وكان الإمام أمّيًا , أو كان الإمام قد قام إلى ركعةٍ خامسةٍ أو أتى الإمام بمنافٍ غير ذلك فإنّه يجب على المأموم مفارقته ويتم صلاته منفردًا بانيًا على ما صلّى مع الإمام .
والأصح عند الشّافعيّة أنّ التّنحنح إن ظهر منه حرفان يبطل الصّلاة , واختلفوا فيما لو تنحنح الإمام فبان منه حرفان هل يجب على المأموم مفارقته أم لا ؟ فالمذهب أنّه لا يفارقه حملًا على العذر , لأنّ الظّاهر تحرز الإمام عن المبطل والأصل بقاء العبادة , لكن قال السبكي: إن دلّت قرينة حال الإمام على خلاف ذلك وجبت المفارقة , ولو لحن الإمام في الفاتحة لحنًا يغيّر المعنى وجبت مفارقته , كما لو ترك واجبًا , ولكن هل يفارقه في الحال أو حتّى يركع لجواز أنّه لحن ساهيًا , وقد يتذكّر فيعيد الفاتحة ؟ الأقرب الأوّل - أي المفارقة في الحال - لأنّه لا يجوز متابعته في فعل السّهو كما قال الزّركشي وقال الخطيب الشّربيني: بل الأقرب الثّاني - أي لا يفارقه حتّى يركع - لأنّ إمامه لو سجد قبل ركوعه لم تجب مفارقته في الحال .
ولا تصح الصّلاة وراء السّكران لأنّه محدث , قال الشّافعي والأصحاب: فإن شرب الخمر وغسل فاه وما أصابه وصلّى قبل أن يسكر صحّت صلاته والاقتداء به , فلو سكر في أثناء الصّلاة بطلت صلاته ويجب على المأموم مفارقته ويبني على صلاته , فإن لم يفارقه وتابع معه بطلت صلاته .