التّعريف:
1 -الجنون في اللّغة: مصدر جنّ الرّجل بالبناء للمجهول ، فهو مجنون: أي زال عقله أو فسد ، أو دخلته الجنّ ، وجنّ الشّيء عليه: ستره .
وأمّا في الاصطلاح فقد عرّفه الفقهاء والأصوليّون بعبارات مختلفة منها: أنّه اختلال العقل بحيث يمنع جريان الأفعال والأقوال على نهجه إلاّ نادرًا .
وقيل: الجنون اختلال القوّة المميّزة بين الأشياء الحسنة والقبيحة المدركة للعواقب بأن لا تظهر آثارها ، وأن تتعطّل أفعالها .
وعرّفه صاحب البحر الرّائق بأنّه: اختلال القوّة الّتي بها إدراك الكلّيّات .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - الدّهش:
2 -الدّهش في اللّغة: مصدر دهش ، يقال دهش الرّجل أي تحيّر ، أو ذهب عقله من ذهل أو وله ، ودهش أيضًا على ما لم يسمّ فاعله فهو مدهوش .
ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذين المعنيين فهم يطلقونه على المتحيّر وعلى ذاهب العقل ، وقد جعل الحنفيّة المدهوش الّذي ذهب عقله داخلًا في المجنون .
ب - العته:
3 -العته في اللّغة: نقصان العقل من غير جنون أو دهش . وهو عند الفقهاء والأصوليّين آفة توجب خللًا في العقل فيصير صاحبه مختلط الكلام ، فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء ، وبعضه كلام المجانين ، وكذا سائر أموره .
والفرق بين الجنون والعته ، أنّ المعتوه قليل الفهم مختلط الكلام ، فاسد التّدبير ، لكن لا يضرب ولا يشتم بخلاف المجنون .
وصرّح الأصوليّون بأنّ حكم المعتوه حكم الصّبيّ المميّز ، إلاّ أنّ الدّبوسيّ قال: تجب عليه العبادات احتياطًا ، وقال صدر الإسلام: إنّ العته نوع جنون فيمنع أداء الحقوق جميعًا .
ج - السّفه:
4 -السّفه لغة: نقص في العقل ، وأصله الخفّة والتّحرّك ، يقال: تسفّهت الرّياح الثّوب: إذا استخفّته ، وحرّكته ، ومنه زمام سفيه أي خفيف .
وفي اصطلاح الفقهاء: خفّة تبعث الإنسان على العمل في ماله بخلاف مقتضى العقل والشّرع مع قيام العقل حقيقة . قال الحنفيّة: فالسّفه لا يوجب خللًا ،ولا يمنع شيئًا من أحكام الشّرع. وقيل السّفه صفة لا يكون الشّخص معها مطلق التّصرّف كأن يبلغ مبذّرًا يضيّع المال في غير وجهه الجائز ، وأمّا عرفًا: فهو بذاءة اللّسان والنّطق بما يستحيا منه . وفي جواهر الإكليل: السّفيه: البالغ العاقل الّذي لا يحسن التّصرّف في المال فهو خلاف الرّشيد .
د - السكر:
5 -اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف السّكر: فعند أبي حنيفة والمزنيّ من الشّافعيّة: السّكر نشوة تزيل العقل ، فلا يعرف السّماء من الأرض ، ولا الرّجل من المرأة ، وصرّح ابن الهمام بأنّ تعريف السّكر بما مرّ إنّما هو في السّكر الموجب للحدّ ، وأمّا تعريفه في غير وجوب الحدّ فهو عند أئمّة الحنفيّة كلّهم: اختلاط الكلام والهذيان . ويقرب من هذا تعريف الشّافعيّ للسّكران: بأنّه الّذي اختلط كلامه المنظوم ، وانكشف سرّه المكتوم .
وقال ابن سريج: الرّجوع فيه إلى العادة ، فإذا انتهى تغيّره إلى حالة يقع عليه فيها عادة اسم السّكران ، فهو المراد بالسّكران ، قال الرّافعيّ وهو الأقرب .
وقيل: السّكر حالة تعرض للإنسان من امتلاء دماغه من الأبخرة المتصاعدة من الخمر ونحوه ، فيتعطّل معه العقل المميّز بين الأمور الحسنة والقبيحة .
هـ - الصّرع:
6 -الصّرع لغة: علّة تمنع الدّماغ من فعله منعا غير تامّ ، فتتشنّج الأعضاء .
أقسام الجنون:
7 -جاء في كشف الأسرار: الجنون يكون أصليًّا إذا كان لنقصان جبل عليه دماغه وطبع عليه في أصل الخلقة فلم يصلح لقبول ما أعدّ لقبوله من العقل ، وهذا النّوع ممّا لا يرجى زواله . ويكون عارضًا: إذا زال الاعتدال الحاصل للدّماغ خلقة إلى رطوبة مفرطة ، أو يبوسة متناهية ، وهذا النّوع ممّا يرجى زواله بالعلاج بما خلق اللّه تعالى من الأدوية . والجنون الأصليّ لا يفارق العارض في شيء من الأحكام .
8-وينقسم الجنون أيضًا إلى مطبق وغير مطبق: والمراد بالمطبق الملازم الممتدّ . والامتداد ليس له ضابط عامّ بل يختلف باختلاف العبادات ، كما صرّح به ابن الهمام من الحنفيّة حيث قال: إنّ قدر الامتداد المسقط في الصّلوات بالزّيادة على يوم وليلة عند أبي حنيفة وأبي يوسف وبصيرورتها ستًّا عند محمّد ، وفي الصّوم باستغراق الشّهر ليله ونهاره ، وفي الزّكاة باستغراق الحول كلّه في الأصحّ ، وغير الممتدّ ما كان أقلّ من ذلك .
فالجنون إن كان ممتدًّا سقط معه وجوب العبادات فلا تشغل بها ذمّته ، وإن كان غير ممتدّ وهو طارئ لم يمنع التّكليف ولا ينفي أصل الوجوب ، لأنّ الوجوب بالذّمّة ، وهي ثابتة ، ولذلك يرث ويملك ، وإن كان غير ممتدّ ، وكان أصليًّا فحكمه عند محمّد حكم الممتدّ ، لأنّه ناط الإسقاط بالكلّ من الامتداد والأصالة ، وقال أبو يوسف: حكمه حكم الطّارئ فيناط الإسقاط بالامتداد .
أثر الجنون في الأهليّة:
9 -الجنون من عوارض أهليّة الأداء وهو يزيلها من أصلها ، فلا تترتّب على تصرّفاته آثارها الشّرعيّة ، لأنّ أساس أهليّة الأداء في الإنسان التّمييز والعقل ، والمجنون عديم العقل والتّمييز . ولا يؤثّر الجنون في أهليّة الوجوب ، لأنّها ثابتة لكلّ إنسان ، فكلّ إنسان أيًّا كان له أهليّة الوجوب ، لأنّ أهليّته للوجوب هي حياته الإنسانيّة .
وما وجب على المجنون بمقتضى أهليّته للوجوب من واجبات ماليّة يؤدّيها عنه وليّه .
فإذا جنى على نفس أو مال يؤاخذ ماليًّا لا بدنيًّا ، ففي القتل يضمن دية القتيل ولا يقتصّ منه ، لقول عليّ رضي الله عنه:"عمد الصّبيّ والمجنون خطأ"وكذلك يضمن ما أتلفه من مال الغير . وتفصيله في الملحق الأصوليّ .