فهرس الكتاب

الصفحة 792 من 2053

أثر الجنون في العبادات البدنيّة:

أ - في الوضوء والتّيمّم:

10 -أجمع الفقهاء على أنّ الجنون قليلًا كان أو كثيرًا ناقص للوضوء .

كما صرّحوا بأنّ كلّ ما يبطل الوضوء يبطل التّيمّم أيضًا .

ب - أثر الجنون في سقوط الصّلاة:

11 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ المجنون غير مكلّف بأداء الصّلاة في حال جنونه ، فلا تجب الصّلاة على مجنون لا يفيق ، لأنّ أهليّة الأداء تفوت بزوال العقل . لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا: « رفع القلم عن ثلاثة: عن النّائم حتّى يستيقظ ، وعن الصّبيّ حتّى يحتلم ، وعن المجنون حتّى يعقل » .

واختلفوا في وجوب القضاء عليه بعد الإفاقة: فذهب الحنفيّة ما عدا محمّدًا إلى أنّ من جنّ يوما وليلة ، ثمّ أفاق قضى الخمس ، وإن زاد الجنون وقت صلاة سادسة لا يقضي ، لأنّ ذلك يدخل في التّكرار فسقط القضاء للحرج ، وقال محمّد: يسقط القضاء إذا صارت الصّلوات ستًّا ودخل في السّابعة ، لأنّ ذلك هو الّذي يحصل به التّكرار .

وأمّا أبو حنيفة وأبو يوسف فأقاما الوقت في دخول الصّلوات في حدّ التّكرار مقام الصّلاة تيسيرا ، فتعتبر الزّيادة بالسّاعات .

ويرى المالكيّة أنّ الجنون إذا ارتفع ، وقد بقي من الوقت ما يسع أقلّ من ركعة سقطت الصّلاتان ، هذا إذا كان في وقت مشترك بين الصّلاتين .

وإن بقي ما يسع ركعة فأكثر إلى تمام صلاة واحدة وجبت الأخيرة وسقطت الأولى ، وإن بقي زيادة على ذلك بمقدار ركعة من الصّلاة الأخرى وجبت الصّلاتان ، وإن ارتفع في وقت مختصّ بصلاة واحدة وجبت المختصّة بالوقت .

وقد فصّل الشّافعيّة الكلام فقالوا: الجنون مانع من وجوب الصّلاة وله ثلاثة أحوال:

1 -لا تجب على المجنون الصّلاة ولا قضاؤها إذا استغرق الوقت جميعًا ، قلّ الجنون أو كثر .

2 -أن يوجد في أوّل الوقت ، ويخلو آخره: فينظر إن بقي الوقت قدر ركعة ، وامتدّت السّلامة من الجنون قدر إمكان الطّهارة ، وتلك الصّلاة ، لزمه فرض الوقت .

3 -أن يخلو أوّل الوقت أو أوسطه عن الجنون ثمّ يطرأ ، ففي القدر الماضي من الوقت: إن كان قدرا يسع تلك الصّلاة وجب القضاء على المذهب .

وخرج ابن سريج قولًا: أنّه لا يجب إلاّ إذا أدرك جميع الوقت ، أمّا إذا كان الماضي من الوقت لا يسع تلك الصّلاة ، فلا يجب على المذهب ، وبه قطع جمهور الشّافعيّة .

وأمّا عند الحنابلة فلا يقضي المجنون الصّلاة إذا أفاق لعدم لزومها له ، إلاّ أن يفيق في وقت الصّلاة فيصير كالصّبيّ يبلغ ، وذلك لحديث النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « رفع القلم عن ثلاثة ... » الحديث ولأنّ مدّته تطول غالبًا ، فوجوب القضاء عليه يشقّ فعفي عنه .

ج - أثر الجنون في الصّوم:

12 -اتّفق الأئمّة على أنّ الجنون مسقط للصّوم إذا كان مطبقًا ، وذلك بأن يمتدّ إلى أن يستغرق شهر رمضان ، لأنّه لم يشهد الشّهر ، وهو السّبب لوجوب الصّوم ، ولذا فلا يجب الصّوم على المجنون . واختلفوا في وجوب القضاء عليه إذا أفاق في جزء من شهر رمضان ، فذهب الحنفيّة في ظاهر الرّواية إلى وجوب القضاء سواء أفاق ليلًا أم نهارًا ، لأنّه شهد الشّهر ، إذ المراد من قوله تعالى: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكم الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه ... } شهود بعضه ، لأنّه لو أراد شهود كلّه لوقع الصّوم بعد رمضان ، وأنّه خلاف الإجماع .

قال في شرح كشف الأسرار: ذكر في الكامل نقلا عن شمس الأئمّة الحلوانيّ ، إنّه إن كان مفيقًا في أوّل ليلة من رمضان فأصبح مجنونًا ، واستوعب الجنون باقي الشّهر لا يجب عليه القضاء وهو الصّحيح ، لأنّ اللّيل لا يصام فيه ، فكان الجنون والإفاقة فيه سواء ، وكذا لو أفاق في ليلة من الشّهر ثمّ أصبح مجنونًا .

وفرّق محمّد بن الحسن في حكم الجنون بين ما إذا كان أصليًّا وما إذا كان عارضًا بعد البلوغ ، وهذا ما اختاره بعض المتأخّرين من الحنفيّة ، وفي الشرنبلالية: ليس على المجنون الأصليّ قضاء ما مضى من الأيّام قبل إفاقته في الأصحّ .

وخلاصة القول: أنّه إذا استوعب الجنون الشّهر كلّه لا قضاء عليه بلا خلاف مطلقًا ، وإلاّ ففيه الخلاف المذكور .

ويرى المالكيّة أنّ المجنون لا يصحّ صومه ولكن لا يجب القضاء عليه في المشهور ، وقيل: لا يجب عليه قضاء ما كثر من السّنين .

وهناك قول ثالث عندهم وهو: أنّه إن بلغ مجنونا لم يقض بخلاف من بلغ صحيحًا ثمّ جنّ . وذهب الشّافعيّة في الأصحّ وهو قول زفر من الحنفيّة إلى أنّ المجنون لو أفاق في بعض شهر رمضان لم يجب عليه قضاء ما مضى كالصّبيّ إذا بلغ ، أو الكافر إذا أسلم في خلال الشّهر .

ويرى الحنابلة وهو وجه عند الشّافعيّة أنّ الجنون حكمه حكم الإغماء ، أي يمنع صحّة الصّوم ، إلاّ أنّه إذا وجد في جميع النّهار لم يجب قضاؤه .

د - أثر الجنون في الحجّ:

13 -الجنون كما سبق من عوارض الأهليّة ، فالمجنون لا يتأتّى منه أداء أفعال الحجّ ، وكذلك لو وقف بعرفة وهو مجنون ولم يفق حتّى خرج منها لم يجزئه ، ثمّ العقل شرط لصحّة التّكليف عند الحنفيّة في الأظهر والحنابلة ، فلا يصحّ أن يحرم الوليّ عن المجنون ، ولكن لو وجب الحجّ على المجنون قبل طروّ جنونه صحّ الإحجاج عنه ، وأمّا عند المالكيّة والشّافعيّة ، وهو رواية عند الحنفيّة فشرط الصّحّة المطلقة الإسلام وليس العقل ، فيجوز للوليّ أن يحرم عن المجنون . وتفصيل ذلك في مصطلح: ( حجّ ) .

هـ - أثر الجنون في الزّكاة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت