14 -ذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه تجب الزّكاة في مال المجنون ويخرجها الوليّ من ماله ، فإن لم يخرج ، أخرج المجنون بعد الإفاقة زكاة ما مضى ، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « من ولي يتيمًا له مال ، فليتّجر له ، ولا يتركه حتّى تأكله الصّدقة » وروي موقوفًا على عمر رضي الله عنه ، وإنّما تأكله الصّدقة بإخراجها ، وإنّما يجوز للوليّ إخراجها إذا كانت واجبة ، لأنّه ليس له أن يتبرّع بمال اليتيم ، ولأنّ الشّارع جعل ملك النّصاب سببا في الزّكاة والنّصاب موجود ، والخطاب بإخراجها يتعلّق بالوليّ . والمجنون والصّبيّ سواء في هذا الحكم .
ويروى ذلك عن جماعة من كبار الصّحابة فيهم عمر ، وعليّ ، وابن عمر ، وعائشة ، والحسن بن عليّ ، وجابر رضي الله عنهم ، وبه قال جابر بن زيد ، وابن سيرين ، وعطاء ، ومجاهد ، وابن أبي ليلى ، وإسحاق وأبو ثور وغيرهم .
وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا زكاة في مال المجنون ، لأنّه غير مخاطب بالعبادة ، والزّكاة من أعظم العبادات ، فلا تجب عليه كالصّلاة والحجّ ولقوله صلى الله عليه وسلم: « رفع القلم عن ثلاثة: عن النّائم حتّى يستيقظ ، وعن الصّبيّ حتّى يحتلم ، وعن المجنون حتّى يعقل » . وقال عليّ رضي الله تعالى عنه: لا تجب عليه الزّكاة حتّى تجب عليه الصّلاة ، وإليه ذهب الحسن ، وسعيد بن المسيّب ، وسعيد بن جبير ، وأبو وائل ، والنّخعيّ .
وحدّ امتداد الجنون في حقّ الزّكاة عندهم أن يستغرق الحول ، وروى هشام عن أبي يوسف أنّ امتداده في حقّ الزّكاة بأكثر السّنة ونصف السّنة ملحق بالأقلّ ، لأنّ كلّ وقتها الحول ، إلاّ أنّه مديد جدًّا ، فقدّر بأكثر الحول عملا بالتّيسير والتّخفيف ، فإنّ اعتبار أكثر السّنة أيسر وأخفّ على المكلّف ، وإذا بلغ الصّبيّ مجنونًا ، وهو مالك لنصاب فزال جنونه بعد مضيّ ستّة أشهر ثمّ تمّ الحول من وقت البلوغ وهو مفيق ، وجبت عليه الزّكاة عند محمّد ، لأنّه يفرّق بين الجنون الأصليّ والعارض ، ولا تجب عند أبي يوسف ، بل يستأنف الحول من وقت الإفاقة ، لأنّه بمنزلة الصّبيّ الّذي بلغ الآن عنده ، ولو كان الجنون عارضًا فزال بعد ستّة أشهر ، تجب الزّكاة بالإجماع ، لأنّه زال قبل الامتداد عند الكلّ .
ويحكى عن ابن مسعود ، والثّوريّ ، والأوزاعيّ أنّهم قالوا: تجب الزّكاة في الحال ، لكنّه لا يخرج حتّى يفيق . وتفصيله في مصطلح: ( إفاقة ) .
أمّا زكاة زرع المجنون فلا خلاف في وجوبها فيه ، وكذلك صدقة الفطر عند الجمهور ، وقال محمّد وزفر من الحنفيّة: لا تجب صدقة الفطر في مال المجنون فيضمنها الوليّ والوصيّ لو أدّياها من ماله .
و - أثر الجنون في التّصرّفات القوليّة:
15 -أجمع الفقهاء على أنّ الجنون كالإغماء والنّوم ، بل هو أشدّ منهما في فوات الاختيار وتبطل عبارات المغمى عليه ، والنّائم في التّصرّفات القوليّة ، كالطّلاق ، والإسلام ، والرّدّة ، والبيع ، والشّراء وغيرها من التّصرّفات القوليّة ، فبطلانها بالجنون أولى ، لأنّ المجنون عديم العقل والتّمييز والأهليّة ، واستدلّوا لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: « رفع القلم عن ثلاثة: عن النّائم حتّى يستيقظ ، وعن الصّبيّ حتّى يحتلم ، وعن المجنون حتّى يعقل » .
ومثل ذلك كلّ تصرّف قوليّ لما فيه من الضّرر .
ز - أثر الجنون في عقود المعاوضة:
16 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ كلّ تصرّف قوليّ يصدر في حال الجنون فهو باطل ، فالمجنون لا تصحّ عقوده لرجحان جانب الضّرر نظرًا إلى سفهه ، وقلّة مبالاته ، وعدم قصده المصالح .
ح - أثر الجنون في التّبرّعات:
17 -سبق بيان أنّ التّصرّفات القوليّة لا تصحّ من المجنون ، لأنّ بالجنون تسلب الولايات ، واعتبار الأقوال ، فلا تصحّ هبته ولا صدقته ، ولا وقفه ، ولا وصيّته ، وما إلى ذلك ، لأنّ التّصرّفات يشترط فيها كمال العقل ، والمجنون مسلوب العقل أو مختلّه ، وعديم التّمييز والأهليّة ، وهذا بإجماع الفقهاء .
ط - أثر الجنون في الولاية:
18 -لا خلاف بين جمهور الفقهاء في أنّ الجنون يزيل الولاية ، لعدم تمييزه ، ولأنّ الولاية إنّما ثبتت نظرًا للمولى عليه عند عجزه عن النّظر لنفسه ، ومن لا عقل له لا يمكنه النّظر ، وأيضا المجنون لا يلي نفسه ، فلا يلي غيره بالأولى .
ي - جنون القاضي:
19 -أجمع الفقهاء على أنّ القاضي لا بدّ أن يكون عاقلًا ، فلا يصحّ قضاء المجنون ، لأنّ القضاء ولاية ، والمجنون لا ولاية له ، ولأنّ بالجنون تسلب الولايات واعتبار الأقوال ، وكذلك إذا جنّ القاضي فينعزل ولا ينفذ حكمه .
وإذا زال الجنون لا تعود ولايته ، إلاّ في رواية للشّافعيّة تعود من غير استئناف توليته .
ك - أثر الجنون في الجنايات:
20 -تقدّم أنّ الجنون عارض من عوارض الأهليّة يطرأ على العقل فيذهب به ، ولذلك تسقط فيه المؤاخذة والخطاب لعدم وجود العقل الّذي هو وسيلة فهم دليل التّكليف .