فهرس الكتاب

الصفحة 794 من 2053

فالجنون سبب من أسباب عدم المؤاخذة بالنّسبة لحقوق اللّه تعالى حسب البيان السّابق ، ولا حدّ على المجنون ، لأنّه إذا سقط عنه التّكليف في العبادات ، والإثم في المعاصي فالحدّ المبنيّ على الدّرء بالشّبهات أولى ، وأمّا بالنّسبة لحقوق العباد كالضّمان ونحوه فلا يسقط ، لأنّه ليس تكليفا له ، بل هو تكليف للوليّ بأداء الحقّ الماليّ المستحقّ في مال المجنون ، فإذا وقعت منه جرائم ، أخذ بها ماليًّا لا بدنيًّا ، وإذا أتلف مال إنسان وهو مجنون وجب عليه الضّمان ، وإذا قتل فلا قصاص وتجب دية القتيل ، كذلك لا يتمّ إحصان الرّجم والقذف إلاّ بالعقل ، فالمجنون لا يكون محصنا لأنّه لا خطاب بدون العقل .

لا جزية على المجنون:

21 -ذهب الجمهور إلى أنّه لا جزية على المجنون ، لأنّ الجزية شرعت جزاء عن الكفر وحملا للكافر على الإسلام ، فتجري مجرى القتل ، فمن لا يعاقب بالقتل ، لا يؤخذ بالجزية ، والمجنون لا يجوز قتله ، فلا جزية عليه . وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في ( جزية ) .

هل يعتبر الجنون عيبًا في النّكاح ؟:

22 -اختلف الفقهاء في النّكاح ، فذهب المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّ الجنون في كلّ من الزّوجين يعتبر عيبًا يفسخ به النّكاح مطبقًا كان أو متقطّعًا ، فإذا وجد أحد الزّوجين بالآخر جنونا ، يثبت الخيار في فسخ النّكاح لفوات الاستمتاع المقصود منه ، ثمّ اشترط المالكيّة لثبوت الخيار كون الجنون موجودا حين عقد النّكاح ، فإن حدث بعده فلا خيار للزّوج إن ابتليت به المرأة ، ولها الخيار إن ابتلي الزّوج به لدفع الضّرر الدّاخل على المرأة .

وأمّا الشّافعيّة والحنابلة فقد صرّحوا باشتراط عدم العلم بالجنون حال العقد لثبوت الخيار ، أمّا العالم به فلا خيار له .

وصرّح الحنفيّة بأنّه لا خيار للزّوج ، وكذلك الزّوجة لا خيار لها عند أبي حنيفة وأبي يوسف ، وهو قول عطاء ، والنّخعيّ ، وعمر بن عبد العزيز ، وابن زياد ، وأبي قلابة ، وابن أبي ليلى ، والأوزاعيّ ، والثّوريّ ، والخطّابيّ ، وفي المبسوط ، أنّه مذهب عليّ ، وابن مسعود رضي الله عنهم ، ويرى محمّد أنّ لها الخيار ، لأنّه لا تنتظم بينهما المصالح ، فيثبت لها الخيار دفعا للضّرر عنها بخلاف الزّوج ، لأنّه يقدر على دفعه بالطّلاق .

طروء الجنون على من صحّ تصرّفه:

23 -سبق بيان أنّ التّصرّفات القوليّة لا تصحّ من المجنون ، كما أنّ العقوبة البدنيّة تسقط عنه إذا ارتكب ما يوجب القصاص أو الحدّ . لكن إذا تصرّف وهو عاقل ثمّ طرأ عليه الجنون أثناء سريان التّصرّف ومباشرته ، كما هو الحال في الوصيّة ، والوكالة ، والشّركة مثلًا ، أو كان ارتكب ما يوجب القصاص ، أو الحدّ وهو عاقل ثمّ جنّ قبل القصاص ، أو قبل إقامة الحدّ ، فإنّ الحكم يختلف ، وفيما يلي بيان حكم بعض المسائل .

أوّلًا - في التّصرّفات القوليّة:

أ - الوصيّة:

24 -لا تصحّ الوصيّة من المجنون ابتداء وهذا باتّفاق . أمّا إذا أوصى العاقل ثمّ جنّ فقد قال الكاسانيّ: لو جنّ جنونا مطبقا بطلت وصيّته ، لأنّ الوصيّة عقد جائز ( أي غير لازم ) كالوكالة فيكون لبقائه حكم الإنشاء كالوكالة ، فتعتبر أهليّة العقد إلى وقت الموت ، ونصّ ابن عابدين على أنّ من أوصى بوصيّة ثمّ جنّ ، فإن أطبق الجنون حتّى بلغ ستّة أشهر بطلت وإلاّ فلا . وظاهر كلام الجمهور أنّ الوصيّة لا تبطل بجنون الموصي بعد الوصيّة .

فقد قال المالكيّة: لا تصحّ الوصيّة من المجنون إلاّ حال إفاقته .

وفي قواعد الأحكام: إذا جنّ الموجب بين الإيجاب والقبول بطل إيجابه بخلاف الوصيّة فإنّها لا تبطل بالموت فالأولى أن لا تبطل بما دونه .

وفي شرح منتهى الإرادات من كان يفيق أحيانا ووصّى في إفاقته صحّت وصيّته .

هذا بالنّسبة للموصي . أمّا بالنّسبة للوصيّ فالأصل أنّه يشترط فيه أن يكون عاقلًا ، لأنّ المجنون لا يلي أمر نفسه فلا يكون له التّصرّف في شؤون غيره بطريق الأولى .

فإن طرأ عليه الجنون فإنّ الفقهاء يختلفون في صحّة الوصيّة إليه ، تبعًا لاختلافهم في الوقت المعتبر لتوافر العقل فيه ، وذلك على الاتّجاهات التّالية:

أ - يعتبر اشتراط توافر العقل عند الإيصاء من الموصي وعند موته دون اعتبار ما بينهما حتّى لو أوصى إلى العاقل ثمّ تغيّرت حاله فجنّ بعد الوصيّة وقبل الموت ثمّ عاد فكان عند موت الموصي عاقلا صحّت الوصيّة إليه ، لأنّ الشّرط موجود حال العقد وحال الموت فصحّت الوصيّة كما لو لم تتغيّر حاله ، ولأنّ حال العقد حال الإيجاب ، وحال الموت حال التّصرّف فاعتبر فيهما .

وهذا هو الأصل عند الحنابلة وهو ظاهر كلام الحنفيّة وفي قول عند الشّافعيّة .

ب - يعتبر اشتراط العقل في الموصى إليه عند الإيصاء وما بعده إلى وقت الموت أي ابتداء ودواما وعلى ذلك لو جنّ الموصي بعد الإيصاء إليه لم تصحّ وصيّته ، لأنّ كلّ وقت من ذلك يجوز أن يستحقّ فيه التّصرّف بأن يموت الموصي فاعتبرت الشّروط في الجميع ، وبهذا قال المالكيّة وهو قول عند الشّافعيّة واحتمال للحنابلة ذكره صاحب المغني .

ج - يعتبر اشتراط العقل عند موت الموصي فقط ، وعلى هذا لو أوصى إلى مجنون فأفاق قبل وفاة الموصي صحّت الوصيّة ، لأنّ التّصرّف بعد الموت فاعتبرت الشّروط عنده كما تعتبر عدالة الشّهود عند الأداء ، أو الحكم دون التّحمّل ، وهذا هو الأصحّ والمعتمد عند الشّافعيّة ، وهو ما صرّح به صاحب شرح منتهى الإرادات من الحنابلة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت