فهرس الكتاب

الصفحة 950 من 2053

خُلطة *

التّعريف:

1 -الخُلطة ( بضمّ الخاء ) لغةً من الخلط ، وهو مزج الشّيء بالشّيء . يقال: خلط القمح بالقمح يخلطه خلطًا ، وخلطه فاختلط . وخليطُ الرّجل مخالطُه ... والخليط ، الجار والصّاحب. وقيل: لا يكون إلاّ في الشّركة . وفي التّنزيل { وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ } . والخِلطة العِشْرة . والخُلطة الشّركة .

والخُلطَة في الاصطلاح الفقهيّ نوعان:

النّوع الأوّل: خلطة الأعيان ، هكذا سمّاها الحنابلة ، وسمّاها الشّافعيّة أيضًا خلطة الاشتراك وخلطة الشّيوع ، وهي أن يكون المال لرجلين أو أكثر هو بينهما على الشّيوع ، مثل أن يشتريا قطيعًا من الماشية شركةً بينهما لكلّ منهما فيه نصيب مشاع ، أو أن يرثاه أو يوهب لهما فيبقياه بحاله غير متميّز .

والثّاني: خلطة الأوصاف ، وفي شرح المنهاج تسميتها خلطة الجوار أيضًا . وهي أن يكون مال كلّ من الخليطين معروفًا لصاحبه بعينه فخلطاه في المرافق لأجل الرّفق في المرعى ، أو الحظيرة ، أو الشّرب . بحيث لا تتميّز في المرافق .

الحكم التّكليفيّ:

2 -الخلطة في الأموال على وجه يتميّز به مال كلّ من الخليطين عن صاحبه أمر مباح في الأصل ، لأنّه نوع من التّصرّف المباح في المال الخاصّ .

وقد يحصل به أنواع من الرّفق بأصحاب الأموال كأن يكون لأهل القرية غنم لكلّ منهم عدد قليل منها فيجمعوها عند راع واحد يرعاها بأجر أو تبرّعًا ، ويؤويها إلى حظيرة واحدة ، وتجمع في سقيها أو حلبها أو غير ذلك ، فذلك أيسر عليهم من أن يقوم كلّ منهم على غنمه وحده ، وكذا في خلطة المزارع الارتفاق باتّحاد النّاطور ، والماء ، والحراث ، والعامل . وفي خلطة التّجّار باتّحاد الميزان ونحو ذلك .

وأمّا خلطة الأعيان فهي الشّركة بعينها ، ويراجع حكمها تحت مصطلح: ( شركة ) والأصل فيها أيضًا الإباحة .

وبما أنّ الخلطة قد تكون سببًا في تقليل الزّكاة بشروطها فقد ورد النّهي عن إظهار صورة الخلطة إذا لم تكن هناك خلطة في الحقيقة سعيًا وراء تقليل الزّكاة الّتي قد وجبت فعلًا ، وكذا ورد النّهي عن إظهار صورة الانفراد سعيًا وراء تقليل الزّكاة الّتي وجبت فعلًا في الأموال المختلطة ، وذلك بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « لا يجمع بين متفرّق ، ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصّدقة » . ويأتي مطوّلًا بيان معنى ذلك .

أحكام الخلطة:

3 -اختلف الفقهاء في تأثير الخلطة في الزّكاة على قولين:

الأوّل: أنّ لها تأثيرًا في الزّكاة من حيث الجملة ، وهذا قول الجمهور على خلاف بينهم في بعض الشّروط الّتي لا بدّ من توافرها ليتحقّق ذلك التّأثير . مع الخلاف أيضًا في الأموال الّتي تؤثّر الخلطة فيها على ما سيأتي . واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاريّ من حديث أنس رضي الله عنه « ولا يجمع بين متفرّق ، ولا يفرّق بين مجتمع ، خشية الصّدقة ، وما كان من خليطين فإنّهما يتراجعان بينهما بالسّويّة » .

قال الأزهريّ: جوّد تفسير هذا الحديث أبو عبيد في كتاب الأموال ، وفسّره على نحو ما فسّره الشّافعيّ . قال الشّافعيّ: الّذي لا أشكّ فيه أنّ"الخليطين": الشّريكان لم يقتسما الماشية ،"وتراجعهما بالسّويّة": أن يكونا خليطين في الإبل تجب فيها الغنم ، فتوجد الإبل في يد أحدهما ، فتأخذ منه صدقتها فيرجع على شريكه بالسّويّة . قال الشّافعيّ: وقد يكون"الخليطان"الرّجلين يتخالطان بماشيتهما ، وإن عرف كلّ منهما ماشيته ، قال: ولا يكونان خليطين حتّى يريحا ويسرحا معًا ، وتكون فحولتهما مختلطةً ، فإذا كانا هكذا صدّقا صدقة الواحد بكلّ حال .

قال: وإن تفرّقا في مراح ، أو سقي ، أو فحول ، صدّقا صدقة الاثنين . ا . هـ .

وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: « لا يجمع بين متفرّق خشية الصّدقة » فهو نهي عن أن يخلط الرّجل إبله بإبل غيره ، أو غنمه بغنمه ، أو بقره ببقره ، ليمنع حقّ اللّه تعالى ويبخس المصدّق"وهو جابي الزّكاة"، وذلك كأن يكون ثلاثة رجال ، لكلّ منهم أربعون شاةً ، فيكون على كلّ منهم في غنمه شاة ، فإذا أحسّوا بقرب وصول المصدّق جمعوها ليكون عليهم فيها شاة واحدة .

وقوله عليه الصلاة والسلام: « ولا يفرّق بين مجتمع خشية الصّدقة » مثل أن يكون نصاب بين اثنين ، فإذا جاء المصدّق أفرد كلّ منهما إبله عن إبل صاحبه لئلاّ يكون عليهما شيء . واحتجّوا أيضًا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم: « لا خلاط ولا وراط » ( الخديعة ) "فالخلاط المنهيّ عنه هو ما تقدّم في تفسير قوله صلى الله عليه وسلم « لا يجمع بين متفرّق خشية الصّدقة » فلولا أنّ للخلط تأثيرًا في الزّكاة ما نهى عنه ."

القول الثّاني: وهو مذهب الحنفيّة أنّ الخلطة بنوعيها لا تأثير لها ، واستدلّوا بحديث أنس نفسه ، قال ابن الهمام: لنا هذا الحديث ، إذ المراد الجمع والتّفريق في الأملاك لا في الأمكنة ، ألا ترى أنّ النّصاب المفرّق في أمكنة مع وحدة المالك تجب فيه الزّكاة ، ومن ملك ثمانين شاةً فليس للسّاعي أن يجعلها نصابين بأن يفرّقها في مكانين .

قال: « فمعنى لا يفرّق بين مجتمع » ، أن لا يفرّق السّاعي بين الثّمانين أو المائة والعشرين فيجعلها نصابين أو ثلاثةً . ومعنى « ولا يجمع بين متفرّق » لا يجمع الأربعين المتفرّقة في الملك بأن تكون مشتركةً ليجعلها نصابًا ، والحال أنّ لكلّ منهما عشرين . قال: « وتراجعهما بالسّويّة » أن يرجع كلّ واحد من الشّريكين على شريكه بحصّة ما أخذ منه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت