التعريف:
1 -الاستقبال في اللّغة: مصدر استقبل الشّيء إذا واجهه ، والسّين والتّاء فيه ليستا للطّلب ، فاستفعل هنا بمعنى فعل ، كاستمرّ واستقرّ ومثله المقابلة . ويقابله بهذا المعنى الاستدبار . ويرد الاستقبال في اللّغة أيضًا بمعنى: الاستئناف ، يقال اقتبل الأمر واستقبله: إذا استأنفه . وقد استعمله الفقهاء بهذين الإطلاقين فيقولون: استقبال القبلة أي مقابلتها ويقولون: استقبل حول الزّكاة أي: ابتدأه واستأنفه . وزاد الشّافعيّة إطلاقه على طلب القبول الّذي يقابل الإيجاب في العقود ، فقالوا: يصحّ البيع بالاستقبال ، ومثّلوا له بنحو: اشتر منّي ، فإنّه استقبالٌ قائمٌ مقام الإيجاب ، ومثل البيع الرّهن ، فيصحّ بنحو: ارتهن داري بكذا .
الألفاظ ذات الصّلة:
أ - الاستئناف:
2 -الاستئناف: ابتداء الأمر ، وعليه فهو مرادفٌ للاستقبال في أحد إطلاقاته .
ب - المسامتة:
3 -المسامتة بمعنى: المقابلة والموازاة ، وهي مرادفةٌ للاستقبال عند الّذين فسّروا الاستقبال بمعنى التّوجّه إلى الشّيء بعينه بلا انحرافٍ يمنةً ولا يسرةً .
وأمّا الّذين لم يشترطوا في الاستقبال هذا الشّرط كالمالكيّة فإنّهم فرّقوا بينهما ، فخصّوا المسامتة باستقبال عين الشّيء تمامًا بجميع البدن ، وجعلوا الاستقبال أعمّ من ذلك ، لصدقه بخروج شيءٍ من البدن عن محاذاة العين .
ج - المحاذاة:
4 -المحاذاة بمعنى: الموازاة . وما قيل في المسامتة يقال هنا أيضًا .
د - الالتفات:
5 -الالتفات صرف الوجه ذات اليمين أو الشّمال . وقد يراد به الانحراف بالوجه والصّدر أيضًا كما ورد في مسند الإمام أحمد: « فجعلت تلتفت خلفها » ومعلومٌ أنّ التّحوّل إلى خلفٍ لا يكون إلاّ بالوجه والصّدر .
6 -هذا والاستقبال عند الفقهاء قد يكون إلى القبلة ، وقد يكون إلى غير القبلة .
واستقبال القبلة قد يكون في الصّلاة ، وقد يكون في غيرها وسيأتي بيان هذه الأقسام واحدًا بعد الآخر .
استقبال القبلة في الصّلاة:
7 -المراد بالقبلة موضع الكعبة ، لأنّه لو نقل بناؤها إلى موضعٍ آخر وصلّي إليه لم يجز . وسمّيت بذلك لأنّ النّاس يقابلونها في صلاتهم .
وما فوق الكعبة إلى السّماء يعدّ قبلةً ، وهكذا ما تحتها مهما نزل ، فلو صلّى في الجبال العالية والآبار العميقة جاز ما دام متوجّهًا إليها ، لأنّها لو زالت صحّت الصّلاة إلى موضعها ، ولأنّ المصلّي على الجبل يعدّ مصلّيًا إليها .
استقبال الحجر:
8 -ذكر الحنفيّة والمالكيّة أنّه لو استقبل المصلّي الحجر دون الكعبة لم يجزه ، لأنّ كونه من البيت مظنونٌ لا مقطوعٌ به ، وهو لا يكتفى به في القبلة احتياطًا ، وهذا هو الصّحيح عند الشّافعيّة . وذهب الحنابلة واللّخميّ من المالكيّة إلى جواز الصّلاة إلى الحجر ، لأنّه من البيت ، للحديث الصّحيح أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « الحجر من البيت » .
وفي روايةٍ: « ستّ أذرعٍ من الحجر من البيت » ولأنّه لو طاف فيه لم يصحّ طوافه . وهو وجهٌ مشهورٌ عند الشّافعيّة ، وإن كان خلاف الأصحّ في مذهبهم ، وقدّره الحنابلة بستّ أذرعٍ وشيءٍ ، فمن استقبل عندهم ما زاد على ذلك لم تصحّ صلاته ألبتّة . على أنّ هذا التّقدير بالنّسبة لغير الطّواف ، أمّا بالنّسبة له فلا بدّ من خروجه عن جميعه احتياطًا .
حكم استقبال القبلة في الصّلاة:
9 -لا خلاف في أنّ من شروط صحّة الصّلاة استقبال القبلة ، لقوله تعالى: { فولّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره } أي جهته .
ويستثنى من ذلك أحوالٌ لا يشترط فيها الاستقبال ، كصلاة الخوف ، والمصلوب ، والغريق ، ونفل السّفر المباح وغيرها ، ونصّوا على أنّ نيّة الاستقبال ليست بشرطٍ على الرّاجح ، انظر الكلام على النّيّة في الصّلاة .
ترك الاستقبال:
10 -ذكر الحنفيّة أنّ من مفسدات الصّلاة تحويل المصلّى صدره عن القبلة بغير عذرٍ اتّفاقًا ، وإن تعمّد الصّلاة إلى غير القبلة على سبيل الاستهزاء يكفر ، وهذا متّفقٌ مع القواعد العامّة للشّريعة . وفصّل الحنفيّة فيما إذا صلّى بلا تحرٍّ فظهر أنّه أصاب القبلة أثناء الصّلاة بطلت صلاته ، لبناء القويّ على الضّعيف ، فإن ظهر ذلك بعد الصّلاة صحّت صلاته ، لأنّ ما فرض لغيره - كالاستقبال المشروط لصحّة الصّلاة - يشترط حصوله لا تحصيله ، وقد حصل وليس فيه بناء القويّ على الضّعيف .
وقال المالكيّة: إن أدّاه اجتهاده لجهةٍ فخالفها وصلّى متعمّدًا بطلت صلاته وإن صادف القبلة ، ويعيد أبدًا . وأمّا لو صلّى لغيرها ناسيًا وصادف القبلة فهل يجري فيه من الخلاف ما يجري في النّاسي إذا أخطأ ، أو يجزم بالصّحّة لأنّه صادف وهو الظّاهر ؟ .
وذكر الشّافعيّة أنّه لا يسقط استقبالها بجهلٍ ولا غفلةٍ ولا إكراهٍ ولا نسيانٍ ، فلو استدبر ناسيًا لم يضرّ لو عاد عن قربٍ . ويسنّ عند ذلك أن يسجد للسّهو لأنّ تعمّد الاستدبار مبطلٌ . وهذا بخلاف ما لو أميل عنها قهرًا فإنّها تبطل ، وإن قلّ الزّمن لندرة ذلك . ولو دخل في الصّلاة باجتهادٍ ثمّ ظهر الخطأ بطلت صلاته .