فهرس الكتاب

الصفحة 379 من 2053

وأطلق الحنابلة القول بأنّ من مبطلات الصّلاة استدبار القبلة حيث شرط استقبالها . كما نصّوا في باب شروط الصّلاة على أنّ هذه الشّروط لا تسقط عمدًا أو سهوًا أو جهلًا . هذا ، ولا بدّ من القول أنّ المالكيّة والحنابلة نصّوا على أنّ المصلّي إذا حوّل وجهه وصدره عن القبلة لم تفسد صلاته ، حيث بقيت رجلاه إلى القبلة . ونصّ المالكيّة على أنّه يكره له ذلك بلا ضرورةٍ ، وقالوا: إنّ هذه الكراهة في حقّ معاين الكعبة حيث لم يخرج شيءٌ من بدنه ، فإن خرج منه شيءٌ ولو أصبعًا من سمتها بطلت صلاته .

ما يتحقّق به استقبال القبلة في الصّلاة:

11 -ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّه يشترط في استقبال القبلة في الصّلاة أن يكون بالصّدر لا بالوجه ، خلافًا لما قد يتوهّم من ظاهر قوله تعالى: { فولّ وجهك شطر المسجد الحرام } لأنّ المراد بالوجه هنا الذّات ، والمراد من الذّات بعضها وهو الصّدر فهو مجازٌ مبنيٌّ على مجازٍ . ونصّ الشّافعيّة على أنّه لا يشترط الاستقبال بالقدمين .

أمّا الاستقبال بالوجه فهو سنّةٌ ، وتركه مكروهٌ عند الأئمّة الأربعة . وهذا في حقّ القائم والقاعد . أمّا الّذي يصلّي مستلقيًا أو مضطجعًا لعجزه فيجب عليهما الاستقبال بالوجه ، على تفصيلٍ يذكر في صلاة المريض . وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه لا يشترط في الاستقبال التّوجّه بالصّدر أيضًا ، وإنّما الّذي لا بدّ منه فهو التّوجّه بالرّجلين . على أنّ الفقهاء تعرّضوا لأعضاءٍ أخرى يستقبل بها المصلّي القبلة في مناسباتٍ كثيرةٍ في كتاب الصّلاة ، نكتفي بالإشارة إلى بعضها دون تفصيلٍ لكونها بتلك المواطن ألصق ، ولسياق الفقهاء أنسب من جهةٍ ، وتفاديًا للتّكرار من جهةٍ أخرى . ومن ذلك: استحباب الاستقبال ببطون أصابع اليدين في تكبيرة الإحرام وباليدين وبأصابع الرّجلين في السّجود ، وبأصابع يسراه في التّشهّد . وذلك حين الكلام على"صفة الصّلاة". فمن أرادها بالتّفصيل فليرجع إلى مواطنها هناك .

استقبال المكّيّ للقبلة:

استقبال المكّيّ المعاين:

12 -لا خلاف بين المذاهب الأربعة في أنّ من كان يعاين الكعبة فعليه إصابة عينها في الصّلاة ، أي مقابلة ذات بناء الكعبة يقينًا ، ولا يكفي الاجتهاد ولا استقبال جهتها ، لأنّ القدرة على اليقين والعين تمنع من الاجتهاد والجهة المعرّضين للخطأ . وأيضًا فإنّ من انحرف عن مقابلة شيءٍ فهو ليس متوجّهًا نحوه . وذكر المالكيّة والشّافعيّة وابن عقيلٍ من الحنابلة - وأقرّوه - أنّ المصلّي في مكّة وما في حكمها ممّن تمكنه المسامتة لو استقبل طرفًا من الكعبة ببعض بدنه وخرج باقيه - لو عضوًا واحدًا - عن استقبالها لم تصحّ صلاته . وفي قولٍ عند الشّافعيّة والحنابلة يكفي التّوجّه ببعض بدنه .

صلاة الجماعة قرب الكعبة:

13 -ذكر الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة - وهو ما يستفاد من كلام الحنابلة - أنّه إن امتدّ صفٌّ طويلٌ بقرب الكعبة وخرج بعضهم عن المحاذاة بطلت صلاته ، لعدم استقبالهم لها ، بخلاف البعد عنها ، فيصلّون في حالة القرب دائرةً أو قوسًا إن قصروا عن الدّائرة ، لأنّ الصّلاة بمكّة تؤدّى هكذا من لدن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا .

استقبال المكّيّ غير المعاين:

14 -ذهب الحنفيّة إلى أنّ من بينه وبين الكعبة حائلٌ فهو كالغائب على الأصحّ ، فيكفيه استقبال الجهة ، وسيأتي تفصيل مذهبهم في إصابة الجهة في"استقبال البعيد عن مكّة". وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أن من لم يصلّ بالمسجد من أهل مكّة ومن ألحق بهم عليه إصابة العين ، وهو قولٌ ضعيفٌ عند الحنفيّة . وتفصيل مذهب الحنابلة أنّهم أوجبوا إصابة العين يقينًا على من كان من أهل مكّة أو ناشئًا بها من وراء حائلٍ محدثٍ كالحيطان .

وأمّا من لم يكن من أهلها وهو غائبٌ عن الكعبة ففرضه الخبر ، كما إذا وجد مخبرًا يخبره عن يقينٍ ، أو كان غريبًا نزل بمكّة فأخبره أهل الدّار بها .

وعند الشّافعيّة يجب على من نشأ بمكّة وهو غائبٌ عن الكعبة إصابة العين إن تيقّن إصابتها ، وإلاّ جاز له الاجتهاد لما في تكليفه المعاينة من المشقّة إذا لم يجد ثقةً يخبره عن علمٍ .

الاستقبال عند صلاة الفريضة في الكعبة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت