التّعريف:
1 -المراعاة في اللغة مصدر راعاه: إذا لاحظه وراقبه , وراعيت الأمر: نظرت في عاقبته .
ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللّفظ عن معناه اللغويّ .
والخلاف في اللغة: المضادّة .
والخلاف في الاصطلاح: منازعة تجري بين المتعارضين لتحقيق حقٍّ أو إبطال باطلٍ .
ومراعاة الخلاف عند الفقهاء عبارة عن إعمال دليلٍ في لازم مدلول الّذي أعمل في نقيضه دليل آخر .
وقال أبو العبّاس القبّاب: حقيقة مراعاة الخلاف هو إعطاء كلّ واحدٍ من الدّليلين حكمه . وكثيرًا ما يعبّر الفقهاء عن مراعاة الخلاف بالخروج من الخلاف .
الحكم التّكليفي:
2 -ذهب جمهور الفقهاء إلى استحباب مراعاة الخلاف في الجملة باجتناب ما اختلف في تحريمه وفعل ما اختلف في وجوبه .
ولبعض الفقهاء في المسألة تفصيل نذكره فيما يلي:
قال أبو العبّاس القبّاب المالكي: اعلم أنّ مراعاة الخلاف من محاسن هذا المذهب , وحقيقة مراعاة الخلاف , هو إعطاء كلّ واحدٍ من الدّليلين حكمه .
وبسطه: أنّ الأدلّة الشّرعيّة منها ما تتبيّن قوّته تبينًا يجزم النّاظر فيه بصحّة أحد الدّليلين والعمل بإحدى الأمارتين فهاهنا لا وجه لمراعاة الخلاف ولا معنى له , ومن الأدلّة ما يقوى فيها أحد الدّليلين وتترجّح فيها إحدى الأمارتين قوّةً ما ورجحانًا لا ينقطع معه تردد النّفس وتشوفها إلى مقتضى الدّليل الآخر فهاهنا تحسن مراعاة الخلاف , ويعمل ابتداءً على الدّليل الأرجح , لمقتضى الرجحان في غلبة ظنّه , فإذا وقع عقد أو عبادة على مقتضى الدّليل الآخر لم يفسخ العقد , ولم تبطل العبادة , لوقوع ذلك على موافقة دليلٍ له في النّفس اعتبار .
وليس إسقاطه بالّذي ينشرح له الصّدر , فهذا معنى قولنا: إعطاء كلّ واحدٍ من الدّليلين حكمه , فيقول ابتداءً بالدّليل الّذي يراه أرجح , ثمّ إذا وقع العمل على مقتضى الدّليل الآخر راعى ما لهذا الدّليل من القوّة الّتي لم يسقط اعتبارها في نظره جملةً , فهو توسط بين موجب الدّليلين .
ونقل الزّركشي عن أبي محمّدٍ بن عبد السّلام الشّافعيّ أنّه قال: الخلاف أقسام:
الأوّل: أن يكون في التّحليل والتّحريم فالخروج من الخلاف بالاجتناب أفضل .
الثّاني: أن يكون الخلاف في الاستحباب والإيجاب , فالفعل أفضل .
الثّالث: أن يكون الخلاف في الشّرعيّة , كقراءة البسملة في الفاتحة فإنّها مكروهة عند مالكٍ واجبة عند الشّافعيّ وكذلك صلاة الكسوف على الهيئة المنقولة في الحديث فإنّها سنّة عند الشّافعيّ وأنكرها أبو حنيفة فالفعل أفضل .
والضّابط أنّ مأخذ الخلاف , إن كان في غاية الضّعف فلا نظر إليه , ولا سيّما إذا كان ممّا ينقض الحكم بمثله , وإن تقاربت الأدلّة بحيث لا يبعد قول المخالف كلّ البعد فهذا ممّا يستحب الخروج منه حذرًا من كون الصّواب مع الخصم .
وقال السيوطيّ: شكّك بعض المحقّقين على قولنا بأفضليّة الخروج من الخلاف فقالوا: الأولويّة والأفضليّة إنّما تكون حيث سنّة ثابتة , واذا اختلفت الأمّة على قولين: قول بالحلّ , وقول بالتّحريم واحتاط المستبرئُ لدينه وجرى على التّرك حذرًا من ورطات الحرمة لا يكون فعله ذلك سنّةً , لأنّ القول بأنّ هذا الفعل يتعلّق به الثّواب من غير عقابٍ على التّرك لم يقل به أحد , والأئمّة كما ترى قائل بالإباحة , وقائل بالتّحريم فمن أين الأفضليّة ؟ وأجاب ابن السبكيّ: إنّ أفضليّة الخروج من الخلاف ليست لثبوت سنّةٍ خاصّةٍ فيه , بل لعموم الاحتياط والاستبراء للدّين , وهو مطلوب شرعًا , فكان القول بأنّ الخروج من الخلاف أفضل , ثابتًا من حيث العموم واعتماده من الورع المطلوب شرعًا .
شروط مراعاة الخلاف:
3 -صرّح الحنفيّة بأنّ مراتب ندب مراعاة الخلاف تختلف بحسب قوّة دليل المخالف وضعفه , وقالوا: يندب الخروج من الخلاف , لكن بشرط عدم لزوم ارتكاب مكروه مذهبه , قال ابن عابدين في تعليقه على هذا الشّرط: بقي: هل المراد بالكراهة هنا ما يعم التّنزيهيّة ؟ توقّف فيه الطّحطاوي ، والظّاهر: نعم , كالتّغليس في صلاة الفجر , فإنّه سنّة عند الشّافعيّ مع أنّ الأفضل عندنا الإسفار فلا يندب مراعاة الخلاف فيه , وكصوم يوم الشّكّ فإنّه الأفضل عندنا , وعند الشّافعيّ حرام , ولم أر من قال: يندب عدم صومه مراعاةً للخلاف , وكالاعتماد وجلسة الاستراحة , السنّة عندنا تركهما , ولو فعلهما لا بأس , فيكره فعلهما تنزيهًا مع أنّهما سنّتان عند الشّافعيّ .
وشروط مراعاة الخلاف عند الشّافعيّة - كما ذكرها الزّركشي - هي:
أ - أن يكون مأخذ المخالف قويًا , فإن كان واهيًا لم يراع .
ب - أن لا تؤدّي مراعاة الخلاف إلى خرق الإجماع كما نقل عن ابن سريجٍ أنّه كان يغسل أذنيه مع الوجه , ويمسحهما مع الرّأس , ويفردهما بالغسل مراعاةً لمن قال: إنّهما من الوجه أو الرّأس أو عضوان مستقلان , فوقع في خلاف الإجماع , إذ لم يقل أحد بالجمع . ج - أن يكون الجمع بين المذاهب ممكنًا , فإن لم يكن كذلك فلا يترك الرّاجح عند معتقده لمراعاة المرجوح , لأنّ ذلك عدول عمّا وجب عليه من اتّباع ما غلب على ظنّه وهو لا يجوز قطعًا , ومثاله الرّواية عن أبي حنيفة في اشتراط المصر الجامع في انعقاد الجمعة , لا يمكن مراعاته عند من يقول إنّ أهل القرى إذا بلغوا العدد الّذي ينعقد به الجمعة لزمتهم ولا يجزيهم الظهر , فلا يمكن الجمع بين القولين .