فهرس الكتاب

الصفحة 1912 من 2053

ومثلها أيضًا قول أبي حنيفة: إنّ أوّل وقت العصر مصير ظلّ الشّيء مثليه , وقول الإصطخريّ من أصحابنا: هذا آخر وقت العصر مطلقًا ويصير بعده قضاءً وإن كان هذا وجهًا ضعيفًا غير أنّه لا يمكن الخروج من خلافهما جميعًا .

وكذلك الصبح فإنّ الإصطخريّ يخرج عنده وقت الجواز بالإسفار , وذلك الوقت عند أبي حنيفة هو الأفضل .

وكذلك يضعف الخروج من الخلاف إذا أدّى إلى المنع من العبادة لقول المخالف بالكراهة , أو المنع من العبادة لقول المخالف بالكراهة أو المنع ، كالمشهور من قول مالكٍ: إنّ العمرة لا تتكرّر في السّنة , وقول أبي حنيفة: إنّها تكره للمقيم بمكّة في أشهر الحجّ , وليس التّمتع مشروعًا له , وربّما قالوا: إنّها تحرم , فلا ينبغي للشّافعيّ مراعاة ذلك , لضعف مأخذ القولين ولما يفوته من كثرة الاعتمار , وهو من القربات الفاضلة .

أمّا إذا لم يكن كذلك فينبغي الخروج من الخلاف لا سيّما إذا كان فيه زيادة تعبدٍ كالمضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة يجب عند الحنفيّة وكذلك الاستنشاق عند الحنابلة في الوضوء , والغسل من ولوغ الكلب ثماني مرّاتٍ والغسل من سائر النّجاسات ثلاثًا لخلاف أبي حنيفة وسبعًا لخلاف أحمد والتّسبيح في الركوع والسجود لخلاف أحمد في وجوبها , والتّبييت في نيّة صوم النّفل , فإنّ مذهب مالكٍ وجوبه , وإتيان القارن بطوافين وسعيين مراعاةً لخلاف أبي حنيفة والموالاة بين الطّواف والسّعي لأنّ مالكًا يوجبها , وكذلك التّنزه عن بيع العينة ونحوه من العقود المختلف فيها , وأصل هذا الاحتياط قول الشّافعيّ في مختصر المزني: فأمّا أنا فأحب أن لا أقصر في أقلّ من ثلاثة أيّامٍ احتياطًا على نفسي .

قال الماورديّ: أفتى بما قامت الدّلالة عنده عليه أي من مرحلتين , ثمّ احتاط لنفسه اختيارًا لها , وقال القاضي أبو الطّيّب: أراد خلاف أبي حنيفة .

الخروج من الخلاف بإتيان ما لا يعتقد وجوبه:

4 -إذا وقع الخلاف في وجوب شيءٍ , فأتى به من لا يعتقد وجوبه احتياطًا , كالحنفيّ ينوي في الوضوء ويبسمل في الصّلاة , فهل يخرج من الخلاف وتصير العبادة منه صحيحةً بالإجماع ؟ .

قال الزّركشي نقلًا عن أبي إسحاق الإسفراييني: لا يخرج به من الخلاف لأنّه لم يأت به على اعتقاد وجوبه , ومن اقتدى به ممّن يخالفه لا تكون صلاته صحيحةً بالإجماع .

وقال الجمهور: بل يخرج لأجل وجود الفعل , وعلى هذا فلو كان هناك حنفي هذا حاله وآخر يعتقد وجوبه , فالصّلاة خلف الثّاني أفضل , لأنّه لا يخرج بالأوّل عن الخلاف بالإجماع , فلو قلّد فيه فكذلك للخلاف في امتناع التّقليد .

مراعاة الخلاف فيما بعد وقوع المختلف فيه:

5 -قال الشّاطبي عند الكلام عن النّظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا: هذا الأصل ينبني عليه قواعد منها: قاعدة مراعاة الخلاف , وذلك أنّ الممنوعات في الشّرع إذا وقعت فلا يكون إيقاعها عن المكلّف سببًا في الحيف عليه بزائد عمّا شرع له من الزّواجر أو غيرها كالزّاني إذا حدّ لا يزاد عليه بسبب جنايته لأنّه ظلم له , وكونه جانيًا لا يجنى عليه زائدًا على الحدّ الموازي لجنايته إلى غير ذلك من الأمثلة الدّالّة على منع التّعدّي أخذًا من قوله تعالى: { فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } وقوله: { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } ونحو ذلك وإذا ثبت هذا فمن واقع منهيًا عنه فقد يكون فيما يترتّب عليه من الأحكام زائد على ما ينبغي بحكم التّبعيّة لا بحكم الأصالة , أو مؤدٍّ إلى أمرٍ أشدّ عليه من مقتضى النّهي فيترك وما فعل من ذلك , أو نجيز ما وقع من الفساد على وجهٍ يليق بالعدل , نظرًا إلى أنّ ذلك الواقع واقع المكلّف فيه دليلًا على الجملة , وإن كان مرجوحًا فهو راجح بالنّسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه , لأنّ ذلك أولى من إزالتها مع دخول ضررٍ على الفاعل أشدّ من مقتضى النّهي , فيرجع الأمر إلى أنّ النّهي كان دليله أقوى قبل الوقوع , ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع لما اقترن به من القرائن المرجّحة كما وقع التّنبيه عليه في حديث: « أيما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل , فنكاحها باطل , فنكاحها باطل , فإن دخل بها فلها المهر بما استحلّ من فرجها فإن اشتجروا , فالسلطان ولي من لا وليّ له » .

وهذا تصحيح للمنهيّ عنه من وجهٍ , ولذلك يقع فيه الميراث ويثبت النّسب للولد , وإجراؤهم النّكاح الفاسد مجرى الصّحيح في هذه الأحكام , وفي حرمة المصاهرة وغير ذلك دليل على الحكم بصحّته على الجملة وإلا كان في حكم الزّنا وليس في حكمه باتّفاق , فالنّكاح المختلف فيه قد يراعى فيه الخلاف فلا تقع فيه الفرقة إذا عثر عليه بعد الدخول مراعاةً لما يقترن بالدخول من الأمور الّتي ترجّح جانب التّصحيح .

هذا كله نظر إلى ما يئُول إليه ترتب الحكم بالنّقض والإبطال من إفضائه إلى مفسدةٍ توازي مفسدة النّهي أو تزيد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت