التّعريف:
1 -العورة في اللّغة: الخلل في الثّغر وفي الحرب ، وقد يوصف به منكّرًا ، فيكون للواحد والجمع بلفظ واحد . وفي القرآن الكريم: { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا } فهنا ورد الوصف مفردًا والموصوف جمعًا . وتطلق على السّاعة الّتي تظهر فيها العورة عادةً للّجوء فيها إلى الرّاحة والانكشاف ، وهي ساعة قبل الفجر ، وساعة عند منتصف النّهار ، وساعة بعد العشاء الآخر ، وفي التّنزيل قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } وكلّ شيء يستره الإنسان أنفةً وحياءً فهو عورة . وهي في الاصطلاح: ما يحرم كشفه من الجسم سواء من الرّجل أو المرأة ، أو هي ما يجب ستره وعدم إظهاره من الجسم ، وحدّها يختلف باختلاف الجنس وباختلاف العمر ، كما يختلف من المرأة بالنّسبة للمحرم وغير المحرم على التّفصيل الّذي يأتي ، وقال الشّربينيّ الخطيب: هي ما يحرم النّظر إليه .
الألفاظ ذات الصّلة:
السّتر:
2 -السّتر لغةً: ما يستر به ، والسّترة بالضّمّ مثله ، ويقال لما ينصبه المصلّي قدّامه علامةً لمصلّاه من عصًا وغيرها سترة ؛ لأنّه يستر المارّ من المرور أي يحجبه ، والصّلة بين العورة والسّتر أنّ السّتر مطلوب لتغطية العورة .
الأحكام المتعلّقة بالعورة:
تتعلّق بالعورة أحكام ذكرها الفقهاء في مواطن منها:
عورة المرأة بالنّسبة للرّجل الأجنبيّ:
3 -ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ جسم المرأة كلّه عورة بالنّسبة للرّجل الأجنبيّ عدا الوجه والكفّين ؛ لأنّ المرأة تحتاج إلى المعاملة مع الرّجال وإلى الأخذ والعطاء لكن جواز كشف ذلك مقيّد بأمن الفتنة .
وورد عن أبي حنيفة القول بجواز إظهار قدميها ؛ لأنّه سبحانه وتعالى نهى عن إبداء الزّينة واستثنى ما ظهر منها . والقدمان ظاهرتان ، ويقول ابن عابدين: إنّ ظهر الكفّ عورة ؛ لأنّ الكفّ عرفًا واستعمالًا لا يشمل ظهره .
وورد عن أبي يوسف القول بجواز إظهار ذراعيها أيضًا لأنّهما يبدوان منها عادةً .
وجاز كشف الوجه والكفّين والنّظر إليهما بدليل قوله تعالى: { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } أي مواضعها ، فالكحل زينة الوجه ، والخاتم زينة الكفّ ، بدليل ما روي « أنّ أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما ، دخلت على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها ، وقال: يا أسماء إنّ المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلاّ هذا وهذا ، وأشار إلى وجهه وكفّيه » .
وقال القرطبيّ في معنى قوله تعالى: { وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } اختلف النّاس في قدر المستثنى فقال ابن مسعود: ظاهر الزّينة هو الثّياب ، وزاد ابن جبير الوجه ، وقال سعيد بن جبير أيضًا وعطاء والأوزاعيّ: الوجه والكفّان والثّياب ، وقال ابن عبّاس وقتادة والمسور بن مخرمة: ظاهر الزّينة هو الكحل والسّوار والخضاب إلى نصف الذّراع والقرط والفتخ .
وذكر الطّبريّ حديثًا عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال: « إذا عركت المرأة لم يحلّ لها أن تظهر إلاّ وجهها ، وإلاّ ما دون هذا ، وقبض على ذراع نفسه ، فترك بين قبضته وبين الكفّ مثل قبضة أخرى » .
وقال الشّربينيّ الخطيب: وشرط السّاتر منع إدراك لون البشرة لا حجمها ، فلا يكفي ثوب رقيق ولا مهلهل لا يمنع إدراك اللّون .
وظاهر مذهب أحمد بن حنبل أنّ كلّ شيء من المرأة عورة بالنّسبة للأجنبيّ عنها حتّى ظفرها، وروي عن الإمام أحمد أنّه قال: إنّ من يُبِينُ زوجته لا يجوز أن يأكل معها لأنّه مع الأكل يرى كفّها ، وقال القاضي من الحنابلة: يحرم نظر الأجنبيّ إلى الأجنبيّة ما عدا الوجه والكفّين ، ويباح له النّظر إلى هذين العضوين مع الكراهة عند أمن الفتنة .
وممّا يحتجّ به للحرمة ما روي عن عليّ رضي الله عنه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: « يا عليّ لا تتبع النّظرة النّظرة فإنّ لك الأولى ، وليست لك الآخرة » وما ورد من « أنّ الفضل بن عبّاس رضي الله عنهما كان رديف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في الحجّ فجاءته الخثعميّة تستفتيه ، فأخذ الفضل ينظر إليها وتنظر هي إليه ، فصرف عليه الصلاة والسلام وجه الفضل عنها » .
وقال الحنابلة: العجوز الّتي لا يشتهى مثلها لا بأس بالنّظر إلى ما يظهر منها غالبًا ، لقوله تعالى: { وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا } وفي معنى العجوز الشّوهاء الّتي لا تشتهى ، ومن ذهبت شهوته من الرّجال لكبر أو عنّة أو مرض لا يرجى برؤه والخصيّ والشّيخ والمخنّث الّذي لا شهوة له فحكمه حكم ذوي المحارم في النّظر ، لقوله تعالى: { أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ } .
وعند الشّافعيّة حكمه حكم الأجنبيّ ، إذ يحرم عليه النّظر حتّى إلى الوجه والكفّين عند خوف الفتنة .