فهرس الكتاب

الصفحة 1218 من 2053

6 -إن لم يجد المصلّي ما ينصبه أمامه فليخطّ خطًّا ، وهذا عند جمهور الفقهاء: ( الشّافعيّة والحنابلة ، والرّاجح عند متأخّري الحنفيّة ) لما ورد أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إذا صلّى أحدكم فليجعل تلقاء وجه شيئًا فإن لم يجد فلينصب عصا ، فإن لم يكن معه عصا فليخطّ خطًّا ، ثمّ لا يضرّه ما مرّ أمامه » .

ولأنّ المقصود جمع الخاطر بربط الخيال كي لا ينتشر ، وهو يحصل بالخطّ .

ورجّح الكمال بن الهمام من الحنفيّة صحّة التّستّر بالخطّ وقال: لأنّ السّنّة أولى بالاتّباع . وقاس الحنفيّة والشّافعيّة على الخطّ المصلّى ، كسجّادة مفروشة ، قال الطّحطاويّ: وهو قياس أولى ، لأنّ المصلّى أبلغ في دفع المارّ من الخطّ .

ولهذا قدّم الشّافعيّة المصلّى على الخطّ وقالوا: قدّم على الخطّ لأنّه أظهر في المراد .

وقال المالكيّة: لا يصحّ التّستّر بخطّ يخطّه في الأرض ، وهذا قول متقدّمي الحنفيّة أيضًا واختاره في الهداية ، لأنّه لا يحصل به المقصود ، إذ لا يظهر من بعيد .

التّرتيب فيما يجعل سترةً:

7 -ذكر الشّافعيّة لاتّخاذ السّترة أربع مراتب وقالوا: لو عدل إلى مرتبة وهو قادر على ما قبلها لم تحصل سنّة الاستتار . فيسنّ عندهم أوّلًا التّستّر بجدار أو سارية ، ثمّ إذا عجز عنها فإلى نحو عصا مغروزة ، وعند عجزه عنها يبسط مصلّى كسجّادة ، وإذا عجز عنها يخطّ قبالته خطًّا طولًا ، وذلك أخذًا بنصّ الحديث الّذي رواه أبو داود عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: « إذا صلّى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا فإن لم يجد فلينصب عصًا ، فإن لم يكن معه عصا فليخطّ خطًّا ، ثمّ لا يضرّه ما مرّ أمامه » وقالوا: المراد بالعجز عدم السّهولة .

وهذا هو المفهوم من كلام الحنفيّة والحنابلة أيضًا وإن لم يصرّحوا بالمراتب .

قال ابن عابدين: المفهوم من كلامهم أنّه عند إمكان الغرز لا يكفي الوضع ، وعند إمكان الوضع لا يكفي الخطّ .

وعبارة الحنابلة تفيد ذلك حيث قالوا: فإن لم يجد شاخصًا وتعذّر غرز عصا ونحوها ، وضعها بالأرض ، ويكفي خيط ونحوه .. فإن لم يجد خطّ خطًّا .

أمّا المالكيّة فقد تقدّم أنّهم لا يجيزون الخطّ .

مقدار السّترة وصفتها:

8 -يرى الحنفيّة والمالكيّة أنّه إذا صلّى في الصّحراء أو فيما يخشى المرور بين يديه يستحبّ له أن يغرز سترةً بطول ذراع فصاعدًا .

قال الحنفيّة: في الاعتداد بأقلّ من الذّراع خلاف . والمراد بالذّراع ذراع اليد ، وهو شبران . وقال الشّافعيّة: طول السّترة يكون ثلثي ذراع فأكثر تقريبًا .

وقال الحنابلة: إن كان في فضاء صلّى إلى سترة بين يديه مرتفعةً قدر ذراع فأقلّ .

والأصل في ذلك حديث طلحة بن عبيد اللّه رضي الله عنه مرفوعًا: « إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخّرة الرّحل فليصلّ ولا يبال من مرّ وراء ذلك » .

ومؤخّرة الرّحل هي العود الّذي في آخر الرّحل يحاذي رأس الرّاكب على البعير .

قال الحنفيّة: فسّرت بأنّها ذراع فما فوقه .

وقال الحنابلة: تختلف ، فتارةً تكون ذراعًا وتارةً تكون دونه .

وأمّا قدرها في الغلظ فلم يحدّده الشّافعيّة والحنابلة ، فقد تكون غليظةً كالحائط والبعير ، أو رقيقةً كالسّهم ، لأنّه صلى الله عليه وسلم صلّى إلى حربة وإلى بعير .

أمّا الحنفيّة فقد صرّحوا في أكثر المتون بأن تكون السّترة بغلظ الأصبع ، وذلك أدناه لأنّ ما دونه ربّما لا يظهر للنّاظر فلا يحصل المقصود منها . لكن قال ابن عابدين: جعل في البدائع بيان الغلظ قولًا ضعيفًا ، وأنّه لا اعتبار بالعرض ، وظاهره أنّه المذهب . ويؤيّده ما ورد أنّه صلى الله عليه وسلم قال: « يجزئ من السّترة قدر مؤخّرة الرّحل ولو بدقّة شعرة » .

وقال المالكيّة: يكون غلظها غلظ رمح على الأقلّ ، فلا يكفي أدقّ منه ، ونقل عن ابن حبيب أنّه قال: لا بأس أن تكون السّترة دون مؤخّرة الرّحل في الطّول ودون الرّمح في الغلظ .

كيفيّة نصب أو وضع السّترة:

9 -اتّفق الفقهاء على أنّه يستحبّ في السّترة أن تنصب أو تغرز أمام المصلّي ، وتجعل على جهة أحد حاجبيه ، وهذا إذا كان غرزها ممكنًا ، وإلاّ بأن كانت الأرض صلبةً مثلًا ، فهل يكفي وضع السّترة أمام المصلّي طولًا أو عرضًا ؟

اختلف الفقهاء في ذلك: فقال الحنفيّة: يلقي ما معه من عصًا أو غيرها طولًا ، كأنّه غرز ثمّ سقط ، وهذا اختيار الفقيه أبي جعفر ، واختار بعضهم أنّه لا يجزئ ، وإن لم يجد ما ينصبه فليخطّ خطًّا بالعرض مثل الهلال ، أو يجعله طولًا بمنزلة الخشبة المغروزة أمامه . فيصير شبه ظلّ العصا ، وهو اختيار المتأخّرين من الحنفيّة .

ومثله ما ذكره الشّافعيّة والحنابلة ، يقول الخطيب الشّربينيّ: إذا عجز عن غيره فليخطّ أمامه خطًّا طولًا . وفي حاشية الجمل: هذا هو الأكمل ويحصل أصل السّنّة بجعله عرضًا . وعبارة الحنابلة: إن تعذّر غرز عصًا ونحوها يكفي وضعها بالأرض .. ووضعها عرضًا أعجب إلى أحمد من الطّول .

فإن لم يجد خطّ خطًّا كالهلال لا طولًا . لكن نقل البهوتيّ عن الشّرح: وكيفما خطّ أجزأه .

أمّا المالكيّة فاشترطوا أن تكون السّترة ثابتةً ولا يجيزون الخطّ أصلًا .

موقف المصلّي من السّترة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت