10 -يسنّ لمن أراد أن يصلّي إلى سترة أن يقرب منها نحو ثلاثة أذرع من قدميه ولا يزيد على ذلك . لحديث سهل بن أبي حثمة مرفوعًا: « إذا صلّى أحدكم إلى سترة فليدن منها ، لا يقطع الشّيطان عليه صلاته » . وعن سهل بن سعد قال: « كان بين مصلّى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وبين الجدار ممرّ الشّاة » . وورد « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع » . وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
وهو المفهوم من كلام المالكيّة لأنّ الفاصل بين المصلّي والسّترة يكون بمقدار ما يحتاجه لقيامه وركوعه وسجوده ، لأنّ الأرجح عندهم أنّ حريم المصلّي هو هذا المقدار ، سواء أصلّى إلى سترة أم لا .
ويسنّ انحراف المصلّي عن السّترة يسيرًا ، بأن يجعلها على جهة أحد حاجبيه ، ولا يصمد إليها صمدًا أي لا يقابلها مستويًا مستقيمًا ، لما روي عن المقداد رضي الله عنه أنّه قال: « ما رأيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يصلّي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلاّ جعله على حاجبيه الأيمن أو الأيسر ، ولا يصمد له صمدًا » .
وهذا إذا كانت السّترة نحو عصا منصوبة أو حجر بخلاف الجدار العريض ونحوه ، وبخلاف الصّلاة على السّجّادة ، لأنّ الصّلاة تكون عليها لا إليها .
سترة الإمام سترة للمأمومين:
11 -اتّفق الفقهاء على أنّ سترة الإمام تكفي المأمومين سواء أصلّوا خلفه أم بجانبيه .
فلا يستحبّ للمأموم أن يتّخذ سترةً . وذلك لما ورد في الحديث « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى بالأبطح إلى عنزة ركزت له ولم يكن للقوم سترة » .
واختلفوا: هل سترة الإمام سترة لمن خلفه ، أو هي سترة له خاصّةً وهو سترة لمن خلفه ، ففي أكثر كتب الحنفيّة والحنابلة أنّ سترة الإمام سترة لمن خلفه .
وذكر المالكيّة وبعض الحنابلة الخلاف في ذلك . قال بعضهم: الخلاف لفظيّ والمعنى واحد . وقال آخرون: الخلاف حقيقيّ وله ثمرة ، فإن قلنا: الإمام سترة لمن خلفه كما نقل عن مالك وغيره يمتنع المرور بين الإمام وبين الصّفّ الّذي خلفه كما يمنع المرور بينه وبين سترته ، لأنّه مرور بين المصلّي وسترته فيهما ، ويجوز المرور بين الصّفّ الّذي خلفه والصّفّ الّذي بعده لأنّه قد حال بينهما حائل وهو الصّفّ الأوّل ، وإن قلنا: إنّ سترة الإمام سترة لهم كما يقول عبد الوهّاب من المالكيّة وغيره فيجوز المرور بين الصّفّ الأوّل والإمام لوجود الحائل وهو الإمام . قال الدّسوقيّ: والحقّ أنّ الخلاف حقيقيّ والمعتمد قول مالك .
المرور بين المصلّي والسّترة:
12 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ المرور وراء السّترة لا يضرّ ، وأنّ المرور بين المصلّي وسترته منهيّ عنه ، فيأثم المارّ بين يديه ، لقوله صلى الله عليه وسلم: « لو يعلم المارّ بين يدي المصلّي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمرّ بين يديه » . ويرى جمهور الفقهاء: الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة: أنّ المارّ بين يدي المصلّي آثم ولو لم يصلّ إلى سترة . وذلك إذا مرّ قريبًا منه ، واختلفوا في حدّ القرب .
قال بعضهم: ثلاثة أذرع فأقلّ . أو ما يحتاج له في ركوعه وسجوده .
والصّحيح عند الحنابلة تحديد ذلك بما إذا مشى إليه ودفع المارّ بين يديه لا تبطل صلاته . والأصحّ عند الحنفيّة أن يكون المرور من موضع قدمه إلى موضع سجوده ، وقال بعضهم: إنّه قدر ما يقع بصره على المارّ لو صلّى بخشوع ، أي راميًا ببصره إلى موضع سجوده . وقيّد المالكيّة الإثم بما إذا مرّ في حريم المصلّي من كانت له مندوحة أي سعة المرور بعيدًا عن حريم المصلّي ، وإلاّ فلا إثم ، وكذا لو كان يصلّي بالمسجد الحرام فمرّ بين يديه من يطوف بالبيت وقالوا: يأثم مصلّ تعرّض بصلاته من غير سترة في محلّ يظنّ به المرور ، ومرّ بين يديه أحد .
ونقل ابن عابدين عن بعض الفقهاء أنّ هنا صورًا أربعًا:
الأولى: أن يكون للمارّ مندوحة عن المرور بين يدي المصلّي ولم يتعرّض المصلّي لذلك فيختصّ المارّ بالإثم إن مرّ .
الثّانية: أن يكون المصلّي تعرّض للمرور والمارّ ليس له مندوحة عن المرور ، فيختصّ المصلّي بالإثم دون المارّ .
الثّالثة: أن يتعرّض المصلّي للمرور ويكون للمارّ مندوحة ، فيأثمان معًا ، أمّا المصلّي فلتعرّضه ، وأمّا المارّ فلمروره مع إمكان أن لا يفعل .
الرّابعة: أن لا يتعرّض المصلّي ولا يكون للمارّ مندوحة ، فلا يأثم واحد منهما .
ومثله ما ذكره بعض المالكيّة .
أمّا الشّافعيّة فقد صرّحوا بحرمة المرور بين يدي المصلّي إذا صلّى إلى سترة وإن لم يجد المارّ سبيلًا آخر ، وهذا إذا لم يتعدّ المصلّي بصلاته في المكان ، وإلاّ كأن وقف بقارعة الطّريق أو استتر بسترة في مكان مغصوب فلا حرمة ولا كراهة .
ولو صلّى بلا سترة ، أو تباعد عنها ، أو لم تكن السّترة بالصّفة المذكورة فلا يحرم المرور بين يديه ، وليس له دفع المارّ لتعدّيه بصلاته في ذلك المكان .
هذا واستثنى الفقهاء من الإثم المرور بين يدي المصلّي للطّائف أو لسدّ فرجة في صفّ أو لغسل رعاف أو ما شاكل ذلك .
أثر المرور بين يدي المصلّي في قطع الصّلاة:
13 -ذهب الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة إلى أنّ مرور شيء بين المصلّي والسّترة لا يقطع الصّلاة ولا يفسدها ، أيًّا كان ، ولو كان بالصّفة الّتي توجب الإثم على المارّ ، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: « لا يقطع الصّلاة شيء وادرءوا ما استطعتم » .
وقال الحنابلة مثل ذلك ، إلاّ أنّهم استثنوا الكلب الأسود البهيم فرأوا أنّه يقطع الصّلاة .
دفع المارّ بين المصلّي والسّترة: