14 -لا خلاف بين الفقهاء في أنّ للمصلّي أن يدفع المارّ من إنسان أو بهيمة إذا مرّ بينه وبين سترته أو قريبًا منه ، لما ورد فيه من أحاديث منها . ما رواه أبو سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من النّاس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه ، فإن أبى فليقاتله فإنّما هو شيطان » .
قال الصّنعانيّ: أي فعله فعل الشّيطان في إرادة التّشويش على المصلّي ، وقيل: المراد بأنّ الحامل له على ذلك شيطان ، ويدلّ على ذلك ما في رواية مسلم: « فإنّ معه القرين » أي شيطان ، والحديث دالّ بمفهومه على أنّه إذا لم يكن للمصلّي سترة فليس له دفع المارّ بين يديه . ا هـ . وهو كذلك عند الشّافعيّة .
15 -واتّفق الفقهاء على أنّ الدّفع ليس واجبًا ، وكأنّ الصّارف للحديث عن الوجوب شدّة منافاته مقصود الصّلاة من الخشوع والتّدبّر ، وأيضًا للاختلاف في تحريم المرور كما وجّهه الشّربينيّ من الشّافعيّة . ومثله ما في كتب الحنفيّة والمالكيّة .
ثمّ اختلفوا في أفضليّة الدّفع ، فقال الحنفيّة: رخّص للمصلّي الدّفع ، والأولى ترك الدّفع لأنّ مبنى الصّلاة على السّكون والخشوع ، والأمر بالدّرء لبيان الرّخصة ، كالأمر بقتل الأسودين ( الحيّة والعقرب ) في الصّلاة .
وقريب من الحنفيّة مذهب المالكيّة حيث قالوا: للمصلّي دفع ذلك المارّ بين يديه دفعًا خفيفًا لا يشغله .
أمّا الشّافعيّة فقالوا: يسنّ ذلك للمصلّي إذا صلّى إلى سترة من جدار أو سارية أو عصا أو نحوها ، لما ورد في حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه المتقدّم نصّه .
وقال الحنابلة: يستحبّ أن يردّ ما مرّ بين يديه من كبير وصغير وبهيمة ، لما ورد « أنّه صلى الله عليه وسلم ردّ عمر بن أبي سلمة وزينب وهما صغيران » .
وفي حديث ابن عبّاس « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يصلّي فمرّت شاة بين يديه ، فساعاها إلى القبلة حتّى ألزق بطنه بالقبلة » .
كيفيّة دفع المارّ بين يدي المصلّي والسّترة:
16 -اختلفت عبارات الفقهاء في كيفيّة الدّفع وما ينشأ عنه من ضمان ، واتّفقوا على أن يكون دفع بالتّدريج ، ويراعى فيه الأسهل فالأسهل .
قال النّوويّ في المجموع: مذهب الشّافعيّة استحباب التّسبيح للرّجل والتّصفيق للمرأة ، وبه قال أحمد وأبو حنيفة ، وقال مالك: تسبّح المرأة أيضًا . أ هـ .
وقال الحنفيّة: يدفعه بالإشارة أو التّسبيح ، وكره الجمع بينهما ، ويدفعه الرّجل برفع الصّوت بالقراءة ، وتدفعه المرأة بالإشارة أو التّصفيق بظهر أصابع اليمنى على صفحة كفّ اليسرى ولا ترفع صوتها ، لأنّه فتنة ، ولا يقاتل المارّ ، وما ورد فيه من الحديث مؤوّل بأنّه كان جواز مقاتلته في ابتداء الإسلام وقد نسخ . ولا يجوز له المشي من موضعه ليردّه ، وإنّما يدفعه ويردّه من موضعه ، لأنّ مفسدة المشي أعظم من مروره بين يديه .
وقريب من الحنفيّة مذهب المالكيّة حيث قالوا: للمصلّي دفع ذلك المارّ دفعًا خفيفًا لا يشغله عن الصّلاة . فإن كثر أبطل صلاته .