وأمّا حد اليسير عند المالكيّة فقد قال عنه أبو بكر بن سابقٍ: لا خلاف عندنا أنّ فوق الدّرهم كثير , وأنّ ما دون الدّرهم قليل , وفي قدر الدّرهم روايتان لعليّ بن زيادٍ وابن حبيبٍ بالقلّة والكثرة .
وحكى الشّيخ أبو الطّاهر أنّ اليسير هو مقدار الخنصر وأنّ الخلاف فيما بين الدّرهم إلى الخنصر .
القسم الثّالث: يعفى عن أثره دون عينه ، وهو الأحداث على المخرجين , والدّم على السّيف الصّقيل , وفي معنى ذلك الخف يمشي به على أرواث الدّوابّ وأبوالها ، وفيه قول: إنّه يغسل كما لو مشى به على الدّم والعذرة .
القسم الرّابع: ما عدا ما ذكر , وهذا القسم يزال كثيره وقليله , وعينه وأثره .
ثالثًا: مذهب الشّافعيّة:
7 -قسّم الشّافعيّة النّجاسات المعفوّ عنها باعتبار القلّة والكثرة إلى عدّة أقسامٍ:
أحدها: ما يعفى عن قليله وكثيره وهو دم البراغيث على الأصحّ في الثّوب والبدن وكذا دم القمّل والبعوض ونحوه على ما رجّحه النّووي ونقله عن الأكثرين , لكن له شرطان:
أ - أن لا يكون بفعله فلو كان بفعله كما لو قتل فتلوّث به أو لم يلبس الثّوب بل حمله وكان كثيرًا لم تصحّ صلاته لعدم الضّرورة إليه ويلتحق بالبراغيث في ذلك كلّه دم البثرات وقيحها وصديدها حتّى لو عصره وكان الخارج كثيرًا لم يعف عنه ، وكذلك دم الدّماميل والقروح وموضع الفصد والحجامة منه .
ب - أن لا يتفاحش بالإهمال , فإنّ للنّاس عادةً في غسل الثّياب كلّ حينٍ فلو ترك غسل الثّوب سنةً مثلًا وهو يتراكم عليه لم يكن في محلّ العفو , قاله الإمام .
ومن المعفوّ عنه البلغم إذا كثر والماء الّذي يسيل من فم النّائم إذا ابتلي به ونحوه وكذلك الحدث الدّائم كالمستحاضة وسلس البول , وكذا أواني الفخّار المعمولة بالزّبل لا تطهر , وقد سئل الشّافعي بمصر , فقال: إذا ضاق الأمر اتّسع .
الثّاني: ما يعفى عن قليله دون كثيره , وهو دم الأجنبيّ إذا انفصل عنه ثمّ أصابه من آدميٍّ أو بهيمةٍ سوى الكلب والخنزير يعفى عن قليله في الأصحّ دون كثيره قطعًا , وكذلك طين الشّوارع المتيقّن بنجاستها يعفى عن قليله دون كثيره .
والقليل ما يتعذّر الاحتراز منه , وكذلك المتغيّر بالميتة الّتي لا نفس لها سائلةً لا يعفى عن التّغير الكثير في الأصحّ .
الثّالث: ما يعفى عن أثره دون عينه وهو أثر المخرجين في الاستنجاء بالحجر وكذلك بقاء ريح النّجاسة أو لونها إذا عسر زواله .
الرّابع: ما لا يعفى عن أثره ولا عينه ولا قليله ولا كثيره وهو ما عدا ذلك .
8 -وقسّم الشّافعيّة النّجاسات باعتبار العفو عنها إذا حلّت في الماء أو الثّوب إلى أربعة أقسامٍ:
القسم الأوّل: يعفى عنه في الماء والثّوب وذلك في عشرين صورةً: ما لا يدركه الطّرف , والميتة الّتي لا دم لها كالدود والخنفساء أصلًا أو لها دم ولكنّه لا يسيل كالوزغ , وغبار النّجاسة اليابسة , وقليل دخان النّجاسة حتّى لو أوقد نجاسةً تحت الماء , واتّصل به قليل دخانٍ لم ينجس , وقليل الشّعر , وقليل الرّيش النّجس له حكم الشّعر على ما يقتضيه كلامهم إلا أنّ أجزاء الشّعرة الواحدة ينبغي أن يكون لكلّ واحدةٍ منها حكم الشّعرة الواحدة , والهرّة إذا ولغت بعد أكلها فأرةً , وألحق المتولّي السّبع بالهرّة وخالفه الغزالي لانتفاء المشقّة لعدم الاختلاط , وما اتّصل به شيء من أفواه الصّبيان مع تحقق نجاستها , خرّجه ابن الصّلاح , وأفواه المجانين كالصّبيان , وإذا وقع في الماء طير على منفذه نجاسة يتعذّر صون الماء عنه ولا يصح التّعليل بانكماشه فإنّه صرّح في الرّوضة بأنّا لو تحقّقنا وصول الماء إلى منفذ الطّير وعليه ذرق عفي عنه , وإذا نزل الطّائر في الماء وغاص وذرق فيه عفي عنه لا سيّما إذا كان طرف الماء الّذي لا ينفك عنه , ويدل له ما ذكر في السّمك عن القاضي حسينٍ أنّه لو جعل سمكًا في حبٍّ ما ثمّ معلوم أنّه يبول فيه أنّه يعفى عنه للضّرورة , وفي تعليق البندنيجي عن الشّيخ أبي حامدٍ نجس معفو عنه لأنّ الاحتراز عنه لا يمكن , وحكى العجلي عن القاضي حسينٍ أنّ وقوع الحيوان النّجس المنفذ في الماء ينجّسه , وحكي عن غيره عدم التّنجيس مستدلًا بأنّه صلى الله عليه وسلم أمر بمقل الذباب .
وإذا شرب من الماء طائر على فيه نجاسة ولم تتخلّل غيبته فينبغي إلحاقه بالمنفذ لتعذر صونه عنه , وونيم الذباب إذا وقع في الماء لا ينجّسه لعسر صونه , ومثله بول الخفّاش إذا وقع في الماء القليل أو المائع , وغسالة النّجاسة إذا انفصلت غير متغيّرةٍ ولا زائدة الوزن فإنّها تكون طاهرةً مع أنّها لاقت نجسًا .
القسم الثّاني: ما يعفى عنه في الماء دون الثّوب كالميتة الّتي لا دم لها سائل وخرء السّمك ومنفذ الطّائر .
القسم الثّالث: ما يعفى عنه في الثّوب دون الماء وهو الدّم اليسير من سائر الدّماء إلا دم الكلب والخنزير وينبغي أن يلحق به طين الشّارع المتيقّن نجاسته , فلو وقع شيء من ذلك في ماءٍ قليلٍ أو غمس يده في الماء وعليها قليل دم برغوثٍ أو قملٍ أو غمس فيه ثوبًا فيه دم برغوثٍ تنجّس .
وفرّق العمرانيّ بين الثّياب والماء بوجهين:
أحدهما: أنّ الثّياب لا يمكن صونها عن النّجاسة بخلاف الأواني فإنّ صونها ممكن بالتّغطية .