والثّاني: أنّ غسل الثّياب كلّ وقتٍ يقطعها فعفي عن يسير النّجاسة الّتي يمكن وقوعها فيها بخلاف الماء ومن ذلك الثّوب الّذي فيه دم برغوثٍ يصلّي فيه ولو وضعه في ماءٍ قليلٍ ينجّسه فيحتاج الّذي يغسله أن يطهّره بعد الغسل في ذلك الماء , وكذلك ما على محلّ الاستنجاء يعفى عنه في البدن والثّوب حتّى لو سال بعرق ونحوه ووقع في الثّوب عفي عنه في الأصحّ , ولو اتّصل بالماء نجّسه .
القسم الرّابع: ما لا يعفى عنه فيهما وهو ما عدا ذلك ممّا أدركه الطّرف من سائر الأبوال والأرواث وغيرها من النّجاسات .
رابعًا: مذهب الحنابلة:
9 -الأصل عند الحنابلة أنّه لا يعفى عن يسير شيءٍ من النّجاسات سواء كان ممّا يدركه الطّرف أو لا يدركه كالّذي يعلق بأرجل الذباب والبقّ وما أشبهه , لعموم قوله تعالى: { وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } , وقول ابن عمر رضي الله عنهما:"أمرنا أن نغسل الأنجاس سبعًا", وغير ذلك من الأدلّة .
إلا أنّهم استثنوا عن هذا الأصل بعض النّجاسات وصرّحوا بالعفو عن يسيرها ، منها:
10 -الدّم , والصّحيح من المذهب أنّه يعفى عن يسيره في الصّلاة دون المائعات والمطعومات فإنّ الإنسان غالبًا لا يسلم منه وهو قول جماعةٍ من الصّحابة والتّابعين فمن بعدهم , ولقول عائشة رضي الله عنهما: « ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه فإذا أصابه شيء من دمٍ قالت بريقها فقصعته بظفرها » , وهذا يدل على العفو عنه لأنّ الرّيق لا يطهّر ويتنجّس به ظفرها وهو إخبار عن دوام الفعل , ومثله لا يخفى عنه عليه الصّلاة والسّلام فلا يصدر إلا عن أمره , ولأنّه يشق التّحرز منه فعفي عنه كأثر الاستجمار ويعفى عنه ولو كان من غير مصلٍّ بأن أصابت المصلّي من غيره كما لو كانت منه .
وقيل: لا يعفى عن يسيره إلا إذا كان من دم نفسه , واليسير: الّذي لم ينقض الوضوء , والكثير: ما نقض الوضوء .
والدّم المعفو عنه ما كان من آدميٍّ أو حيوانٍ طاهرٍ لا الكلب ولا الخنزير .
11 -ما تولّد من الدّم من القيح والصّديد , فإنّ العفو عنهما أولى لاختلاف العلماء في نجاستهما , ولذلك قال أحمد: هو أسهل من الدّم فعلى هذا يعفى منه عن أكثر ممّا يعفى عن مثله في الدّم , لأنّ هذا لا نصّ فيه , وإنّما ثبتت نجاسته لاستحالته من الدّم , ولأحمد قول بطهارة قيحٍ ومدّةٍ وصديدٍ .
وصرّح الحنابلة بأنّه لا يعفى عن يسير دمٍ أو قيحٍ أو صديدٍ خرج من قبلٍ أو دبرٍ لأنّ حكمه حكم البول والغائط , وفي وجهٍ يعفى عن ذلك .
12 -ويعفى أثر الاستجمار بمحلّه , بعد الإنقاء واستيفاء العدد بلا خلافٍ , فعلى هذا لو تعدّى محلّه إلى الثّوب أو البدن لم يعف عنه .
13 -ويعفى عن يسير سلس بولٍ بعد كمال التّحفظ لمشقّة التّحرز عنه .
14 -ويعفى عن يسير دخان نجاسةٍ وبخارها وغبارها ما لم تظهر له صفة في الشّيء الطّاهر , لأنّه يشق التّحرز منه , وقال جماعة: ما لم يتكاثف .
15 -ويعفى عن يسير ماءٍ تنجّس بشيء معفوٍّ عن يسيره كدم وقيحٍ فإنّه يعفى عنه , قاله ابن حمدان في رعايتيه وعبارته: وعن يسير الماء النّجس بما عفي عن يسيره من دمٍ ونحوه , وأطلق المنقّح في التّنقيح القول عن ابن حمدان بالعفو عن يسير الماء النّجس ولم يقيّده بما عفي عن يسير النّجاسة .
16 -ويعفى عن ما في العين من نجاسةٍ فلا يجب غسلها للتّضرر به وكذا يعفى عن نجاسةٍ داخل أذنٍ لما في ذلك من التّضرر أيضًا وهو متّجه كما قال الرّحيبانيّ .
17 -ويعفى عن حمل كثير النّجاسة في صلاة الخوف للضّرورة .
18 -ويعفى عن يسير طين شارعٍ تحقّقت نجاسته لعسر التّحرز منه ومثله تراب , قال في الفروع: وإن هبّت ريح فأصاب شيئًا رطبًا غبار نجس من طريقٍ أو غيره فهو داخل في المسألة , وصرّح الحنابلة بأنّ ما عفي عن يسيره كالدّم ونحوه عفي عن أثر كثيره على جسمٍ صقيلٍ بعد مسحٍ , لأنّ الباقي بعد المسح يسير وإن كثر محله فعفي عنه كيسير غيره . وقالوا: يضم نجس يعفى عن يسيره متفرّقٍ بثوب واحدٍ , بأن كان فيه بقع من دمٍ أو قيحٍ أو صديدٍ فإن صار بالضّمّ كثيرًا لم تصحّ الصّلاة فيه وإلا عفي عنه , ولا يضم متفرّق في أكثر من ثوبٍ بل يعتبر كل ثوبٍ على حدته .
والمراد بالعفو في جميع ما تقدّم أنّ الصّلاة تصح معه مع الحكم بنجاسته حتّى لو وقع هذا اليسير في ماءٍ قليلٍ نجّسه .
أعيان المعفوّات من الأنجاس:
19 -اختلف الفقهاء في مسائل العفو عن النّجاسات تبعًا لاختلافهم في ضوابط العفو عن النّجاسات وتبعًا لاختلافهم في التّقديرات الّتي اعتبروها للتّمييز بين الكثير واليسير . ولمعرفة أعيان النّجاسات المعفوّ عنها وموقف الفقهاء تجاه كلّ واحدةٍ منها ينظر مصطلح: ( نجاسة , عفو ف 7 - 11 ) .
المعفوّات في الصّلاة:
20 -ستر العورة شرط من شروط صحّة الصّلاة فلا تصح الصّلاة إلا بسترها , وقد اتّفق الفقهاء على بطلان صلاة من كشف عورته فيها قصدًا , واختلفوا فيما إذا انكشفت بلا قصدٍ وفي المقدار المعفوّ عن انكشافه .
وتفصيل ذلك في: ( مصطلح صلاة ف 120 ) .
المعفوّات في الزّكاة:
21 -اختلف الفقهاء في زكاة أوقاص السّائمة وتفصيل ذلك في: ( مصطلح أوقاص ف 7 - 9 ) .
وأمّا سائر الأموال الزّكويّة كالنّقدين فلا يجري العفو فيها عند الجمهور فتجب فيها الزّكاة فيما زاد على النّصاب بحسابه .
وقال أبو حنيفة: ما زاد على النّصاب عفو إلى أن يبلغ خمس نصابٍ ثمّ كل ما زاد على الخمس عفو إلى أن يبلغ خمسًا آخر .
والتّفصيل في: ( زكاة ف 72 , وعفو ف 12 ) .