6 -يكون التّقليد بأن يجعل في أعناق الهدايا النّعال ، أو آذان القرب وعراها ، أو علاقة إداوة ، أو لحاء شجرة ، أو نحو ذلك . وفي حديث عائشة أنّها « كانت تفتل قلائد هدي النّبيّ صلى الله عليه وسلم من عهن » والعهن: الصّوف المصبوغ فقد روى أبو هريرة
« أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة ، قال: اركبها . قال: إنّها بدنة . قال: اركبها قال: فلقد رأيته يساير النّبيّ صلى الله عليه وسلم والنّعل في عنقها » . وفيه أنّه « قلّد بدنه بيده » وفي التّاج والإكليل من كتب المالكيّة يقلّد بما شاء . ومنع ابن القاسم تقليد الأوتار"أي للحديث الوارد في النّهي عنه ،ونصّه « قلّدوا الخيل ولا تقلّدوها الأوتار » . قال ابن عابدين: كيفيّة التّقليد أن يفتل خيطا من صوف أو شعر ويربط به نعلا أو عروة مزادة ، وهي السّفرة من جلد ، أو لحاء شجرة أي قشرها ، أو نحو ذلك ممّا يكون علامة على أنّه هدي ."
وقال المالكيّة والشّافعيّة: يكون تقليدها وهي مستقبلة القبلة ، ويقلّد البدنة وهي باركة . وفي كتب الشّافعيّة: أنّه ينبغي إذا قلّد نعلين أن يكون لهما قيمة ليتصدّق بهما .
تقليد الهدي هل يكون به الإنسان محرمًا ؟:
7 -لا ينعقد الإحرام إلا بنيّة الدّخول في النّسك . ولا يشترط مع ذلك تلبية أو ذكر معيّن أو خصوصيّة من خصوصيّات الإحرام كتقليد الهدي . وهذا مذهب المالكيّة على المشهور عندهم والشّافعيّة والحنابلة . وينظر التّفصيل في مصطلح ( إحرام ) .
أمّا الحنفيّة فلا بدّ ليكون الرّجل محرما عندهم ، مع نيّة الدّخول في النّسك من ذكر أو خصوصيّة من خصوصيّات الإحرام .
والخصوصيّات منها: أن يشعر بدنه ، أو يقلّدها ، تطوّعًا ، أو نذرًا ، أو جزاء صيد ، أو شيئا من الأشياء ، ويتوجّه معها يريد الحجّ أو العمرة . فمن فعل ذلك فقد أحرم ولو لم يكن منه تلبية . قالوا: لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم « من قلّد بدنه فقد أحرم » .
ولأنّ سوق الهدي في معنى التّلبية في إظهار الإجابة ، لأنّه لا يفعله إلا مريد الحجّ أو العمرة ، وإظهار الإجابة قد يكون بالفعل كما يكون بالقول ، فيصير به محرمًا لاتّصال النّيّة بفعل هو من خصائص الإحرام .
ولو قلّد هديًا دون أن ينوي ، أو دون أن يسوقه متوجّها إلى البيت ، فلا يكون محرمًا .
ولو قلّده وأرسل به ولم يسقه لم يصر محرمًا ، لحديث عائشة أنّها قالت: « كنت أفتل القلائد لهدي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فيبعث به ثمّ يقيم فينًا حلالًا » ، قالوا: ثمّ إن توجّه بعد ذلك لم يصر محرما حتّى يلحق الهدي ، لأنّه عند التّوجّه إذا لم يكن بين يديه هدي يسوقه لم يوجد منه إلّا مجرّد النّيّة ، فلا يصير بها محرمًا ، إلا هدي التّمتّع والقران فإنّه يكون محرما بتقليده وبالتّوجّه ولو قبل أن يدرك الهدي الّذي بعثه أمامه .
هذا ، وإن كان الهدي الّذي قلّده وساقه من الغنم ، فإنّه لا يصير بذلك محرما عند الحنفيّة ، لأنّ الغنم لا يسنّ تقليدها عندهم كما تقدّم .
تعيّن الهدي ولزومه بالتّقليد:
8 -ينصّ المالكيّة على أنّ الرّجل إذا قلّد الهدي بالنّيّة تعيّن عليه إهداؤه وليس له أن يترك ذلك . قال الدّردير: يجب إنفاذ ما قلّد معيبا لوجوبه بالتّقليد وإن لم يجزه . أي وإن لم يجزئه عن هدي واجب بتمتّع أو قران أو نذر غير أنّهم قالوا: إنّ ما قلّد من الهدي يباع في الدّيون السّابقة ما لم يذبح ، ولا يباع في الدّيون اللاحقة . قالوا: ولو وجد الهدي المسروق أو الضّالّ بعد نحر بدله نحر الموجود أيضا إن قلّد ، لتعيّنه بالتّقليد .
وإن وجد الضّالّ قبل نحر البدل نحرهما معا إن قلّدا لتعيّنهما بالتّقليد . وإن لم يكونا مقلّدين أو كان المقلّد أحدهما دون الآخر ، يتعيّن المقلّد . وجاز بيع الآخر والتّصرّف فيه .
وينصّ الحنابلة أيضا على أنّ التّقليد يجب به ذلك الهدي ، إذا نوى أنّه هدي ، ولو لم يقل بلسانه إنّه هدي ، فيتعيّن بذلك ويصير واجبا معيّنا يتعلّق الوجوب بعينه دون ذمّة صاحبه . وحكمه حينئذ أن يكون في يد صاحبه كالوديعة يلزمه حفظه وإيصاله إلى محلّه ، فإن تلف أو سرق أو ضلّ بغير تفريط لم يلزمه شيء . أمّا الشّافعيّة فيصرّحون بأنّ تقليد الرّجل نعمه وإشعارها لا يكون به النّعم هديا ، ولو نواه ما لم ينطق بذلك ، على المذهب الصّحيح المشهور عندهم ، كما لو كتب الوقف على باب داره .
ثانيًا: تقليد التّمائم وما يتعوّذ به:
9 -المراد بتقليد التّمائم والتّعويذات جعلها في عنق الصّبيّ أو الصّبيّة أو الدّابّة ونحوها . كانوا يعتقدون أنّها تجلب الخير أو تدفع الأذى والعين .
وينظر حكم ذلك في مصطلح: ( تعويذة ) .
23 -من أمكنه معرفة جهة القبلة برؤية أو نحوها دون حرج يلحقه حرم عليه الأخذ بالخبر عنها ، وحرم عليه الاجتهاد والتّقليد في ذلك .
وإلا يمكنه العلم أخذ بخبر ثقة يخبر عن علم ، فإن أمكنه ذلك حرم عليه الاجتهاد والتّقليد ، وإلا فعليه أن يجتهد في أدلّة القبلة ولا يقلّد ، ومن عجز عن الاجتهاد في الأدلّة يقلّد ثقة عارفا بأدلّة القبلة . فلو صلّى من غير تقليد معتبر وقد أمكنه أن يقلّد لزمته الإعادة ولو صادفت صلاته القبلة . أمّا ما صلّى بالاجتهاد أو التّقليد وصادف القبلة أو لم يتبيّن الحال فلا إعادة عليه . وفي المسألة خلاف وتفصيل يرجع إليه تحت عنوان ( استقبال القبلة ) . وقريب من ذلك القول في التّقليد في مواقيت الصّلاة ( ر: أوقات الصّلاة ) .