فإذا كان الدّم سائلًا ، أو قاطرًا ولم يلطّخه ولم يمكنه فتله ، فإنّه يخيّر بين البناء والقطع ، واختار ابن القاسم القطع ، فقال: هو أولى ، وهو القياس .
قال زرّوق: إنّ القطع أنسب بمن لا يحسن التّصرّف في العلم ، واختار جمهور الأصحاب"المالكيّة"البناء لعمل أهل المدينة ، وقيل: هما سيّان ، وذكر ابن حبيبٍ ما يفيد وجوب البناء .
أمّا إذا كان الدّم راشحًا بأن لم يسل ولم يقطر بل لوّث طاقتي الأنف وجب تمادي الرّاعف في الصّلاة وفتل الدّم إن أمكن بأن لم يكثر ، أمّا إذا لم يمكن لكثرته كان حكمه حكم السّائل والقاطر في التّخيير بين القطع والبناء .
6-ويخرج مريد البناء لغسل الدّم حال كونه ممسكًا أنفه من أعلاه وهو مارنه ، لا من أسفله من الوترة لئلاّ يبقى الدّم في طاقتي أنفه ، فإذا غسله بنى على ما تقدّم له بشروطٍ ستّةٍ:
أ - أن لا يتلطّخ بالدّم بما يزيد على درهمٍ . أمّا إذا تلطّخ بما زاد على درهمٍ فيجب عليه قطع الصّلاة ويبتدئها من أوّلها بعد غسل الدّم .
ب - أن لا يجاوز أقرب مكان ممكنٍ لغسل الدّم فيه ، فإن جاوز الأقرب مع الإمكان إلى أبعد منه بطلت صلاته .
ج - أن يكون المكان الّذي يغسل الدّم فيه قريبًا فإن كان بعيدًا بطلت صلاته .
د - أن لا يستدبر القبلة من غير عذرٍ فإن استدبرها من غير عذرٍ بطلت صلاته على المشهور من المذهب .
وقال اللّخميّ: إذا استدبر الرّاعف القبلة لطلب الماء لم تبطل صلاته .
وقال القاضي عبد الوهّاب وابن العربيّ وجماعة: يخرج كيف أمكنه .
هـ- أن لا يطأ في مشيه على نجاسةٍ ، وظاهره مطلقًا ، وإلاّ بطلت صلاته ، سواء أكانت النّجاسة رطبةً أم يابسةً ، وسواء أكانت من أرواث الدّوابّ وأبوالها ، أم من غير ذلك ، وسواء أوطئها عمدًا أم سهوًا .
و- أن لا يتكلّم في مضيّه للغسل ، فإن تكلّم عامدًا أو جاهلًا بطلت صلاته .
7-ثمّ الرّاعف لا يخلو إمّا أن يكون منفردًا أو مقتديًا أو إمامًا ، فإن كان منفردًا فله أن يبني عند الحنفيّة ومالكٍ في أحد قوليه ، وبه قال محمّد بن مسلمة ، لأنّ ما يمنع البناء وما لا يمنعه لا يختلف فيه الفذّ وغيره ، كالسّلام من اثنتين فيما طال وفيما قصر - والمأموم له البناء باتّفاق المالكيّة - ولأنّه قد عمل شيئًا من الصّلاة فلا يبطله بغير تفريطٍ منه ، ولأنّه قد حاز فضيلة أوّل الوقت بذلك القدر فلا يفوت ذلك عليه كفضيلة الجماعة .
والقول الآخر عن مالكٍ: أنّ الرّاعف ليس له البناء ، وهو المشهور من مذهبه .
وقال الحنفيّة: إن كان منفردًا فانصرف وتوضّأ فهو بالخيار إن شاء أتمّ صلاته في الموضع الّذي افتتح الصّلاة فيه ، لأنّه إذا أتمّ الصّلاة حيث هو فقد سلمت صلاته عن المشي ، لكنّه صلّى واحدةً في مكانين ، وإن عاد إلى مصلاه فقد أدّى جميع الصّلاة في مكان واحدٍ لكن مع زيادة مشيٍ فاستوى الوجهان فيخيّر .
وقال بعض الحنفيّة: يصلّي في الموضع الّذي توضّأ فيه من غير خيارٍ ، ولو أتى المسجد تفسد صلاته ، لأنّه تحمّل زيادة مشيٍ من غير حاجةٍ .
وعامّة الحنفيّة قالوا: لا تفسد صلاته ، لأنّ المشي إلى الماء والعود إلى مكان الصّلاة ألحق بالعدم شرعًا .
وإن كان الرّاعف مقتديًا فانصرف وتوضّأ فإن لم يفرغ إمامه من الصّلاة فعليه أن يعود لأنّه في حكم المقتدي بعد ، ولو لم يعد وأتمّ بقيّة صلاته في بيته لا يجزئه ، لأنّه إن صلّى مقتديًا بإمامه لا يصحّ لانعدام شرط الاقتداء ، وهو اتّحاد البقعة إلاّ إذا كان بيته قريبًا من المسجد بحيث يصحّ الاقتداء ، وإن صلّى منفردًا في بيته فسدت صلاته ، لأنّ الانفراد في حال وجوب الاقتداء يفسد صلاته لأنّ بين الصّلاتين تغايرًا ، وقد ترك ما كان عليه وهو الصّلاة مقتديًا ، وما أدّى وهو الصّلاة منفردًا لم يوجد له ابتداء تحريمه وهو بعض الصّلاة ، لأنّه صار منتقلًا عمّا كان هو فيه إلى هذا فيبطل ذلك ، وما حصل فيه بعض الصّلاة فلا يخرج عن كلّ الصّلاة بأداء هذا القدر .
والمالكيّة متّفقون على أنّ المقتدي يبني في الرّعاف ، إلاّ أنّ الأفضل عند مالكٍ أن يقطع المقتدي الرّاعف الصّلاة بكلامٍ أو غيره فيغسل عنه الدّم ، ثمّ يبتدئ الصّلاة كي يخرج من الخلاف ويؤدّي الصّلاة باتّفاقٍ .
وإذا عاد الرّاعف ينبغي أن يشتغل بقضاء ما سبق به في حال تشاغله بالوضوء عند الحنفيّة وسحنونٍ من المالكيّة ، لأنّه لا حقّ فكأنّه خلف الإمام ، فيقوم مقدار قيام الإمام من غير قراءةٍ ، ومقدار ركوعه وسجوده ، ولا يضرّه إن زاد أو نقص .
أمّا المالكيّة فيقولون على المذهب فيما إذا اجتمع للرّاعف القضاء والبناء: أن يقدّم البناء على القضاء ، لأنّ القضاء إنّما يكون بعد إكمال ما فعله الإمام بعد دخوله معه .
وهذا جائز عند جمهور الحنفيّة أيضًا ، فقد قال الكاسانيّ: لو تابع إمامه أوّلًا ثمّ اشتغل بقضاء ما سبق به بعد تسليم الإمام جازت عند علمائنا الثّلاثة خلافًا لزفر ، بناءً على أنّ التّرتيب في أفعال الصّلاة الواحدة ليس بشرطٍ عندنا ، وعنده شرط .
وللتّفصيل ( ر: قضاء الفوائت ) .
8-أمّا إذا كان الرّاعف إمامًا فإنّه يؤمر بالاستخلاف فيتوضّأ ، أو يغسل الدّم - كما يقول المالكيّة - ويبني على صلاته على نحو ما ذكر في المقتدي ، لأنّه بالاستخلاف تحوّلت الإمامة إلى الثّاني ، وصار هو كواحدٍ من المقتدين .
( ر: استخلاف ) .
أثر الرّعاف على الصّوم: