قال ابن مفلح: اعلم أنّه متى بالغ في تقليل الغذاء أو الشّراب فأضرّ ببدنه أو شيء منه ، أو قصّر عن فعل واجب لحقّ اللّه أو لحقّ آدميّ ، كالتّكسّب لمن يلزمه مؤنته ، فإنّ ذلك محرّم وإلاّ كره ذلك إذا خرج عن الأمر الشّرعيّ .
ح - الشّرب من فم السّقاء:
10 -يكره الشّرب من فم السّقاء ، وكذا اختناث الأسقية ، لحديث ابن عبّاس - رضي الله عنهما -: « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الشّرب من في السّقاء » .
وحديث أبي سعيد الخدريّ - رضي الله عنه -: « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن اختناث الأسقية » يعني أن تكسر أفواهها فيشرب منها .
ويرى جمهور الفقهاء: أنّ الكراهة هنا للتّنزيه لا للتّحريم . ونقل النّوويّ الاتّفاق على هذا . وهناك أحاديث تدلّ على جواز الشّرب من فم السّقاء .
قال العراقيّ في الجمع بين الأحاديث الّتي تدلّ على الجواز وبين الأحاديث الّتي تدلّ على المنع: إنّه لو فرّق بين ما يكون لعذر كأن تكون القربة معلّقةً ولم يجد المحتاج إلى الشّرب إناءً متيسّرًا ولم يتمكّن من التّناول بكفّه فلا كراهة حينئذ ، وعلى هذا تحمل الأحاديث الّتي تدلّ على جواز الشّرب من في السّقاء ، وبين ما يكون لغير عذر فتحمل عليه أحاديث النّهي.
وقيل: لم يرد حديث من الأحاديث الّتي تدلّ على الجواز إلاّ بفعله صلى الله عليه وسلم وأحاديث النّهي كلّها من قوله فهي أرجح .
ووجه الحكمة في النّهي ما قاله البعض من أنّه لا يؤمن من دخول شيء من الهوامّ مع الماء في جوف السّقاء ، فيدخل فم الشّارب ولا يدري . فعلى هذا لو ملأ السّقاء وهو يشاهد الماء الّذي يدخل فيه ثمّ ربطه ربطًا محكمًا ، ثمّ لمّا أراد أن يشرب حلّه فشرب منه لا يتناوله النّهي، وقيل ما ورد من حديث عائشة - رضي الله عنها - بلفظ: « نهى أن يشرب من في السّقاء لأنّ ذلك ينتنه » وهذا عامّ . وقيل: إنّ الّذي يشرب من في السّقاء قد يغلبه الماء فينصبّ منه أكثر من حاجته فلا يأمن أن يشرق به أو تبتلّ ثيابه .
ط - الشّرب من ثلمة الإناء:
11 -يكره الشّرب من ثلمة الإناء لحديث أبي سعيد الخدريّ - رضي الله عنه -: « نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الشّرب من ثلمة القدح وأن ينفخ في الشّراب » .
قال الخطّابيّ: إنّما نهى عن الشّرب من ثلمة القدح لأنّه إذا شرب منها تصبّب الماء ، وسال قطره على وجهه وثوبه ، لأنّ الثّلمة لا تتماسك عليها شفة الشّارب ، كما تتماسك على الموضع الصّحيح من الكوز والقدح .
ي - الحمد عقب الشّرب:
12 -يسنّ للشّارب أن يحمد اللّه عقب الشّرب . لما ورد أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: « إنّ اللّه ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها ، أو يشرب الشّربة فيحمده عليها » .
وروى أبو داود من حديث أبي أيّوب « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل أو شرب قال: الحمد للّه الّذي أطعم وسقى وسوّغه وجعل له مخرجًا » .
وعن أبي سعيد الخدريّ - رضي الله عنه - « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من طعامه قال: الحمد للّه الّذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين » .
قال زكريّا الأنصاريّ:"يندب أن يشرب في ثلاثة أنفاس ، بالتّسمية في أوائلها وبالحمد في أواخرها".
ك - التّيامن في مناولة الشّراب:
13 -يسنّ التّيامن في مناولة الشّراب والطّعام وما جرى مجراهما .
قال الرّحيبانيّ: إذا شرب لبنًا أو غيره سنّ أن يناول الأيمن ولو صغيرًا أو مفضولًا ، ويتوجّه أن يستأذنه في مناولته الأكبر فإن لم يأذن ناوله له .
فقد ورد من حديث أنس بن مالك « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أتي بلبن قد شيب بماء ، وعن يمينه أعرابيّ وعن شماله أبو بكر ، فشرب ثمّ أعطى الأعرابيّ ، وقال: الأيمن الأيمن » .
ومن حديث سهل بن سعد الأنصاريّ: « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ ، فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ؟ فقال: واللّه يا رسول اللّه ، لا أؤثر بنصيبي منك أحدًا . قال: فتلّه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في يده » .
قال الشّيخ أبو القاسم: وهذا يقتضي أنّ حكم التّيامن في المناولة آكد من حكم السّنّ .
الشّرب في آنية الذّهب والفضّة:
14 -يرى جمهور الفقهاء تحريم الأكل والشّرب في إناء الذّهب وإناء الفضّة ، ويستوي في التّحريم الرّجل والمرأة .
ونقل ابن المنذر الإجماع عليه ، إلاّ ما نقل عن التّابعيّ معاوية بن قرّة ، ونقل عن نصّ الشّافعيّ: في سماع حرملة أنّ النّهي فيه للتّنزيه لأنّ فيه تشبّهًا بالأعاجم .
شرب الجنب:
15 -يرى الشّافعيّة والحنابلة أنّه يسنّ لمن عليه غسل أن يتوضّأ لإرادة أكل أو شرب لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: « رخّص رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أن يتوضّأ وضوءه للصّلاة » .
قال أبو عليّ الطّبريّ: ولا يستحبّ ذلك للحائض لأنّ الوضوء لا يؤثّر في حدثها ، ويؤثّر في حدث الجنابة ، لأنّه يخفّفه ويزيله عن أعضاء الوضوء .
ويؤخذ من عبارات المالكيّة: أنّ الجنب لم يؤمر بالوضوء للأكل والشّرب .
قال مالك: لا يتوضّأ إلاّ من أراد أن ينام فقط - وهو جنب - وأمّا من أراد أن يطعم أو يعاود الجماع فلم يؤمر بالوضوء .
الشّرب في الصّلاة:
16 -اتّفق الفقهاء على أنّ المصلّي ممنوع من الشّرب ، وأنّه إذا شرب في صلاة الفرض عامدًا لزمه الإعادة .