5 -قال ابن دقيق العيد: من فوائد التّشميت تحصيل المودّة ، والتّأليف بين المسلمين ، وتأديب العاطس بكسر النّفس عن الكبر ، والحمل على التّواضع لما في ذكر الرّحمة من الإشعار بالذّنب الّذي لا يعرى عنه أكثر المكلّفين .
التّشميت أثناء الخطبة:
6 -كره الحنفيّة والمالكيّة التّشميت أثناء الخطبة ، وعند الشّافعيّة في الجديد: أنّ الكلام عند الخطبة لا يحرم ، ويسنّ الإنصات ، ولا فرق في ذلك بين التّشميت وغيره ، واستدلّ بما روى أنس رضي الله عنه قال: « دخل رجل والنّبيّ صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر يوم الجمعة فقال: متى السّاعة ؟ فأشار النّاس إليه أن اسكت فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عند الثّالثة: ما أعددت لها ؟ قال: حبَّ اللّه ورسوله قال: إنّك مع من أحببتَ » وإذ جاز هذا في الخطبة جاز تشميت العاطس أثناءها .
وعند المالكيّة ، وهو القديم عند الشّافعيّة: أنّ الإنصات لسماع الخطبة واجب . لما روى جابر رضي الله عنه قال: « دخل ابن مسعود رضي الله عنه والنّبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس إلى أبيّ رضي الله عنه فسأله عن شيء فلم يردّ عليه ، فسكت حتّى صلّى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال له: ما منعك أن تردّ عليّ ؟ فقال: إنّك لم تشهد معنا الجمعة . قال: ولم ؟ قال: لأنّك تكلّمت والنّبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقام ابن مسعود فدخل على النّبيّ صلى الله عليه وسلم فذكر له ، فقال: صدق أبيّ » وإذا كان الإنصات واجبًا كان ما خالفه من تشميت العاطس أثناء الخطبة حراما . وللحنابلة روايتان: إحداهما: الجواز مطلقا أخذًا من قول الأثرم: سمعت أبا عبد اللّه أي الإمام أحمد - سئل: يردّ الرّجل السّلام يوم الجمعة ؟ فقال: نعم . قال: ويشمّت العاطس ؟ فقال: نعم . والإمام يخطب . وقال أبو عبد اللّه قد فعله غير واحد . قال ذلك غير مرّة ، وممّن رخّص في ذلك الحسن والشّعبيّ والنّخعيّ وقتادة والثّوريّ وإسحاق .
والثّانية: إن كان لا يسمع الخطبة شمّت العاطس ، وإن كان يسمع لم يفعل ، قال أبو طالب: قال أحمد: إذا سمعت الخطبة فاستمع وأنصت ولا تقرأ ولا تشمّت ، وإذا لم تسمع الخطبة فاقرأ وشمّت وردّ السّلام . وقال أبو داود: قلت لأحمد: يردّ السّلام والإمام يخطب ويشمّت العاطس ؟ قال: إذا كان ليس يسمع الخطبة فيردّ ، وإذا كان يسمع فلا لقول اللّه تعالى:
{ فَاسْتَمِعُوا لَه وأَنْصِتُوا } وروي نحو ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما .
تشميت مَنْ في الخلاء لقضاء حاجته:
7 -يكره لمن في الخلاء لقضاء حاجته أن يشمّت عاطسًا سمع عطسته .
بذلك قال فقهاء المذاهب الأربعة . كما كرهوا له إن عطس في خلائه أن يحمد اللّه بلسانه ، وأجازوا له ذلك في نفسه دون أن يحرّك به لسانه . وعن المهاجر بن قنفذ رضي الله عنه قال: « أتيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلّمت عليه ، فلم يردّ حتّى توضّأ ، ثمّ اعتذر إليّ وقال: إنّي كرهت أن أذكر اللّه تعالى إلا على طهر أو قال: على طهارة »
تشميت المرأة الأجنبيّة للرّجل والعكس:
8 -إن كانت المرأة شابّة يخشى الافتنان بها كره لها أن تشمّت الرّجل إذا عطس ، كما يكره لها أن تردّ على مشمّت لها لو عطست هي . بخلاف لو كانت عجوزًا ولا تميل إليها النّفوس فإنّها تشمّت وتشمّت متى حمدت اللّه ، بذلك قال المالكيّة ومثلهم في ذلك الحنابلة . جاء في الآداب الشّرعيّة لابن مفلح عن ابن تميم: لا يشمّت الرّجل الشّابّة ولا تشمّته .
وقال السّامريّ: يكره أن يشمّت الرّجل المرأة إذا عطست ولا يكره ذلك للعجوز .
وقال ابن الجوزيّ: وقد روينا عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنّه كان عنده رجل من العبّاد فعطست امرأة أحمد ، فقال لها العابد: يرحمك اللّه . فقال أحمد رحمه الله . عابد جاهل . وقال حرب: قلت لأحمد: الرّجل يشمّت المرأة إذا عطست ؟ فقال: إن أراد أن يستنطقها ليسمع كلامها فلا ، لأنّ الكلام فتنة ، وإن لم يرد ذلك فلا بأس أن يشمّتهنّ .
وقال أبو طالب: إنّه سأل أبا عبد اللّه: يشمّت الرّجل المرأة إذا عطست ؟ قال: نعم قد شمّت أبو موسى امرأته. قلت: فإن كانت امرأة تمرّ أو جالسة فعطست أشمّتها ؟ قال: نعم. وقال القاضي: ويشمّت الرّجل المرأة البرزة ويكره للشّابّة . وقال ابن عقيل: يشمّت المرأة البرزة وتشمّته ولا يشمّت الشّابّة ولا تشمّته ، وقال الشّيخ عبد القادر: يجوز للرّجل تشميت المرأة البرزة والعجوز ، ويكره للشّابّة ، وفي هذا تفريق بين الشّابّة وغيرها .
وعند الحنفيّة ذكر صاحب الذّخيرة: أنّه إذا عطس الرّجل فشمّتته المرأة ، فإن عجوزًا ردّ عليها وإلا ردّ في نفسه . قال ابن عابدين: وكذا لو عطست هي كما في الخلاصة .
تشميت المسلم للكافر: