فهرس الكتاب

الصفحة 648 من 2053

وممّن ذهب إلى مثل ذلك ابن القيّم ، حيث قال: قالت طائفة: إنّ عدّة الوفاة تعبّد محض ، وهذا باطل ، فإنّه ليس في الشّريعة حكم واحد إلّا وله معنى وحكمة ، يعقله من يعقله ، ويخفى على من خفي عليه . وقرّر هذا المعنى تقريرا أوسع فقال: شرع اللّه العقوبات ، ورتّبها على أسبابها ، جنسا وقدرا ، فهو عالم الغيب والشّهادة وأحكم الحاكمين وأعلم العالمين ، ومن أحاط بكلّ شيء علما ، وعلم ما كان وما يكون ، وأحاط علمه بوجوه المصالح دقيقها وجليلها وخفيّها وظاهرها ، ما يمكن اطّلاع البشر عليه وما لا يمكنهم . وليست هذه التّخصيصات والتّقديرات خارجة عن وجوه الحكم والغايات المحمودة ، كما أنّ التّخصيصات والتّقديرات واقعة في خلقه كذلك ، فهذا في خلقه وذاك في أمره ، ومصدرهما جميعا عن كمال علمه وحكمته ووضعه كلّ شيء في موضعه الّذي لا يليق به سواه ولا يتقاضى إلّا إيّاه ، كما وضع قوّة البصر والنّور الباصر في العين ، وقوّة السّمع في الأذن ، وقوّة الشّمّ في الأنف ، وخصّ كلّ حيوان وغيره بما يليق به ويحسن أن يعطاه من أعضائه وهيئاته وصفاته وقدره ، فشمل إتقانه وإحكامه ، وإذا كان سبحانه قد أتقن خلقه غاية الإتقان ، وأحكمه غاية الإحكام ، فلأن يكون أمره في غاية الإتقان أولى وأحرى ، ولا يكون الجهل بحكمة اللّه في خلقه وأمره وإتقانه كذلك وصدوره عن محض الحكمة والعلم مسوّغا لإنكاره في نفس الأمر . وسار على هذه الطّريقة وليّ اللّه الدّهلويّ في حجّة اللّه البالغة وقال: إنّ القول الآخر ( الآتي ) تكذّبه السّنّة وإجماع القرون المشهود لها بالخير .

6 -أمّا القول الثّاني بوجود أحكام ولو على سبيل النّدرة قصد منها التّعبّد والامتثال . فيدلّ عليه ما ورد في كتاب اللّه تعالى من قوله تعالى { . . . وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتي كَانتْ عَلَيهمْ } أنّه كان قد جعل على من كان قبلنا آصارًا وأغلالًا لتعنّتهم وشقاقهم ، كما ألزم بني إسرائيل بأن تكون البقرة الّتي أمرهم بذبحها لا فارضًا ولا بكرًا ، وأن تكون صفراء . وأيضا فإنّ في بعض الابتلاء واستدعاء الطّاعة والامتثال والتّدريب على ذلك مصلحة كبيرة ، لا يزال أولياء الأمور يدرّبون عليها أنصارهم وأتباعهم ، ويبذلون في ذلك الأموال الطّائلة ، ليكونوا عند الحاجة ملبّين للأوامر دون تردّد أو حاجة إلى التّفهّم ، اكتفاء وثقة بأنّ وليّ أمرهم هو أعلم منهم بما يريد .

بل إنّ مصلحة الطّاعة والامتثال والمسارعة إليهما هي الحكمة الأولى المبتغاة من وضع الشّريعة ، بل من الخلق في أساسه ، قال اللّه تعالى { وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونَ } وقال { يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيءٍ مِنَ الصَّيدِ تَنَالُه أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُه بِالغَيْبِ } . وقال: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُم وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } وقال { وَمَا جَعَلْنَا القِبْلَةَ الَّتي كُنْتَ عليها إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلبُ على عَقِبَيهِ } ولكن من فضل اللّه علينا في شريعة الإسلام أنّه جعل غالب أحكامها تراعي مصلحة العباد بالإضافة إلى مصلحة الابتلاء ، ولكن لا يمنع ذلك من وجود أحكام لا تراعي ذلك ، بل قصد بها الابتلاء خاصّة ، وذلك على سبيل النّدرة .

وفي هذا يقول الغزاليّ: عرف من دأب الشّرع اتّباع المعاني المناسبة دون التّحكّمات الجامدة ، وهذا غالب عادة الشّرع . ويقول: حمل تصرّفات الشّارع على التّحكّم أو على المجهول الّذي لا يعرف ، نوع ضرورة يرجع إليها عند العجز . وقال: ما يتعلّق من الأحكام بمصالح الخلق من المناكحات والمعاملات والجنايات والضّمانات وما عدا العبادات فالتّحكّم فيها نادر ، وأمّا العبادات والمقدّرات فالتّحكّمات فيها غالبة ، واتّباع المعنى نادر .

وصرّح بذلك الشّيخ عزّ الدّين عبد العزيز بن عبد السّلام في قواعده فقال: يجوز أن تتجرّد التّعبّدات عن جلب المصالح ودرء المفاسد ، ثمّ يقع الثّواب عليها بناء على الطّاعة والإذعان من غير جلب مصلحة غير مصلحة الثّواب ولا درء مفسدة غير مفسدة العصيان .

7 -فالتّعبّديّ على القول الأوّل: استأثر اللّه تعالى بعلم حكمته ، ولم يطلع عليها أحدًا من خلقه ، ولم يجعل سبيلا للاطّلاع عليه مع ثبوت المصلحة فيه في نفس الأمر ، أخفى ذلك عنهم ابتلاء واختبارًا . هل يمتثلون ويطيعون دون أن يعرفوا وجه المصلحة ، أم يعصون اتّباعًا لمصلحة أنفسهم ؟ .

وعلى القول الثّاني: ابتلاهم بما لا مصلحة لهم فيه أصلا غير مجرّد الثّواب .

الألفاظ ذات الصّلة:

أ - العبادة:

8 -أصل العبادة: الطّاعة والخضوع . والعبادات ، أنواع: منها الصّلاة والزّكاة والصّوم والحجّ . وكثير منها معقول المعنى ، بيّنت الشّريعة حكمته ، أو استنبطها الفقهاء . ومن ذلك قوله تعالى في شأن الصّلاة { وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ } وقوله في شأن الحجّ { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهمْ } وقول الفقهاء في حكمة التّرخيص في الإفطار في السّفر أثناء رمضان: إنّها دفع المشقّة . فليس شيء من ذلك تعبّديًّا .

وبعض أحكام العبادات غير معقول المعنى ، فيكون تعبّديّا ، ككون رمي الجمار سبعًا سبعًا . وتكون التّعبّديّات أيضا في غير العبادات ، ومن ذلك: استبراء الأمة الّتي اشتراها بائعها في مجلس البيع ، وعادت إليه بفسخ أو إقالة قبل غيبة المشتري بها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت