ب - حقّ اللّه:
9 -قد يقال في كثير من الأحكام: إنّه لحقّ اللّه ، كالصّلاة والصّوم وسائر العبادات وكحدّ السّرقة وحدّ الزّنى .
ويقال في كثير منها: إنّه لحقّ الإنسان ، كحقّ القصاص وحدّ القذف والدّين والضّمانات . وقد يظنّ أنّ كلّ ما كان منها لحقّ اللّه تعالى أنّه تعبّديّ ، إلا أنّ المراد من"حقّ اللّه تعالى"أنّه لا خيرة فيه للعباد ، ولا يجوز لأحد إسقاطه ، بل لا بدّ للعباد من تنفيذه إذا وجد سببه ، وتمّت شروط وجوبه أو تحريمه . وليس كلّ ما كان لحقّ اللّه تعالى تعبّديّا ، بل يكون تعبّديّا إذا خفي وجه الحكمة فيه . ويكون غير تعبّديّ ، وذلك إذا ظهرت حكمته .
قال الشّاطبيّ: الحكم المستخرجة لما لا يعقل معناه على وجه الخصوص في التّعبّدات ، كاختصاص الوضوء بالأعضاء المخصوصة ، والصّلاة بتلك الهيئة من رفع اليدين والقيام والرّكوع والسّجود ، وكونها على بعض الهيئات دون بعض ، واختصاص الصّيام بالنّهار دون اللّيل ، وتعيين أوقات الصّلوات في تلك الأحيان المعيّنة دون سواها من أحيان النّهار واللّيل ، واختصاص الحجّ بتلك الأعمال المعروفة ، في الأماكن المعلومة ، وإلى مسجد مخصوص ، إلى أشباه ذلك ممّا لا تهتدي العقول إليه بوجه ، ولا تحوم حوله ، يأتي بعض النّاس فيطرق إليه بزعمه حكمًا ، يزعم أنّها مقصود الشّارع من تلك الأوضاع ، وجميعها مبنيّ على ظنّ وتخمين غير مطّرد في بابه ، ولا مبنيّ عليه عمل ، بل كالتّعليل بعد السّماع للأمور الشّواذّ ، لجنايته على الشّريعة في دعوى ما ليس لنا به علم ، ولا دليل لنا عليه .
ج - المعلّل بالعلّة القاصرة:
10 -ولمّا كان حكم التّعبّديّات أنّه لا يقاس عليها ، فقد يشتبه بها المعلّل بالعلّة القاصرة ، لأنّه لا يقاس عليه . والفرق بينهما: أنّ التّعبّديّ ليس له علّة ظاهرة ، فيمتنع القياس عليه لأنّ القياس فرع معرفة العلّة ، أمّا المعلّل بالعلّة القاصرة فعلّته معلومة لكنّها لا تتعدّى محلّها ، إذ لم يعلم وجودها في شيء آخر غير الأصل .
مثاله « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين » . وهذا حكم خاصّ به ، وعلّته والمعنى فيه أنّه أوّل من تنبّه وبادر إلى تصديق النّبيّ صلى الله عليه وسلم في تلك الحادثة بعينها والشّهادة له ، بموجب التّصديق العامّ له صلى الله عليه وسلم . والأوّليّة معنى لا يتكرّر ، فاختصّ به ، فليس ذلك تعبّديّا ، لكون علّته معلومة .
د - المعدول به عن سنن القياس:
11 -ما خالف القياس قد يكون غير معقول المعنى كتخصيص النّبيّ صلى الله عليه وسلم بنكاح تسع نسوة « وإجزاء العناق في التّضحية في حقّ أبي بردة هانئ بن دينار » ، وكتقدير عدد الرّكعات .
وقد يكون معقول المعنى كاستثناء بيع العرايا من النّهي عن بيع التّمر بالتّمر خرصًا .
هـ - المنصوص على علّته:
12 -أورد الشّاطبيّ أنّ بعض ما عرفت علّته قد يكون تعبّديّا . فقال: إنّ المصالح في التّكليف ظهر لنا من الشّارع أنّها على ضربين:
أحدهما: ما يمكن الوصول إلى معرفته بمسالكه المعروفة كالإجماع والنّصّ والسّبر والإشارة والمناسبة ، وهذا هو القسم الظّاهر الّذي نعلّل به ، وتقول: إنّ الأحكام شرعت لأجله .
والثّاني: ما لا يمكن الوصول إليه بتلك المسالك المعهودة ، ولا يطّلع عليه إلّا بالوحي كالأحكام الّتي أخبر الشّارع فيها أنّها أسباب للخصب والسّعة وقيام أبّهة الإسلام - كقوله تعالى في سياق قصّة نوح: { فَقُلتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّه كانَ غَفَّارًَا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَليكمْ مِدْرَارًَا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًَا } .
فلا يعلم وجه كون الاستغفار سببًا للمطر وللخصب إلا بالوحي .
ولذلك لا يقاس عليه ، فلا يعلم كون الاستغفار سببا في حصول العلم وقوّة الأبدان مثلًا ، فلا يكون إلى اعتبار هذه العلّة في القياس سبيل ، فبقيت موقوفة على التّعبّد المحض . ولذا يكون أخذ الحكم المعلّل بها متعبّدا به ، ومعنى التّعبّد هنا: الوقوف عند ما حدّ الشّارع فيه .
حكمة تشريع التّعبّديّات:
13 -حكمة تشريع التّعبّديّات استدعاء الامتثال ، واختبار مدى الطّاعة والعبوديّة . وقد عبّر عن ذلك الغزاليّ في الإحياء بقوله - في بيان أسرار رمي الجمار - وظّف اللّه تعالى على العباد أعمالا لا تأنس بها النّفوس ، ولا تهتدي إلى معانيها العقول ، كرمي الجمار بالأحجار ، والتّردّد بين الصّفا والمروة على سبيل التّكرار .