فهرس الكتاب

الصفحة 615 من 2053

وقال أبو منصور: كره النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يمدح في وجهه وأحبّ التّواضع للّه تعالى ، وجعل السّيادة للّذي ساد الخلق أجمعين . وليس هذا بمخالف لقوله لسعد بن معاذ رضي الله عنه حين قال لقومه الأنصار: « قوموا إلى سيّدكم » أراد أنّه أفضلكم رجلًا وأكرمكم . وأمّا صفة اللّه جلّ ذِكْره بالسّيّد فمعناه: أنّه مالك الخلق والخلق كلّهم عبيده - أي فلا يطلق لفظ السّيّد بهذا المعنى على غير اللّه تعالى - وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: « أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر » أراد أنّه أوّل شفيع ، وأوّل من يفتح له باب الجنّة ، قال ذلك إخبارًا عمّا أكرمه اللّه به من الفضل والسّودد ، وتحدّثًا بنعمة اللّه عنده ، وإعلامًا منه ، ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه ، ولهذا أتبعه بقوله: « ولا فخر » أي أنّ هذه الفضيلة الّتي نلتها كرامةً من اللّه تعالى ، لم أنلها من قبل نفسي ، ولا بلغتها بقوّتي ، فليس لي أن أفتخر بها .

وقال السّخاويّ: إنكاره صلى الله عليه وسلم يحتمل أن يكون تواضعًا منه صلى الله عليه وسلم وكراهةً منه أن يحمد ويمدح مشافهةً ، أو لأنّ ذلك كان من تحيّة الجاهليّة ، أو لمبالغتهم في المدح ، وقد صحّ قوله صلى الله عليه وسلم: « أنا سيّد ولد آدم » وقوله للحسن رضي الله عنه: « إنّ ابني هذا سيّد » وورد قول سهل بن حنيف رضي الله عنه للنّبيّ صلى الله عليه وسلم: « يا سيّدي » في حديث عند النّسائيّ في عمل اليوم واللّيلة ، وقول ابن مسعود:"اللّهمّ صلّ على سيّد المرسلين".

وفي كلّ هذا دلالة واضحة وبراهين لائحة على جواز ذلك ، والمانع يحتاج إلى إقامة دليل ، سوى ما تقدّم ، لأنّه لا ينهض دليلًا مع الاحتمالات السّابقة .

تسويد غير النّبيّ صلى الله عليه وسلم:

9 -اختلف الفقهاء في جواز إطلاق لفظ السّيّد على غير النّبيّ صلى الله عليه وسلم:

فذهب جمهورهم إلى جواز إطلاق لفظ السّيّد على غير النّبيّ صلى الله عليه وسلم واستدلّوا بقول اللّه تعالى في يحيى عليه السلام: { وَسَيِّدًَا وَحَصُورًَا وَنَبِيًَّا مِنَ الصَّالِحِينَ } أي أنّه فاق غيره عفّةً ونزاهةً عن الذّنوب . وقوله عزّ وجلّ في امرأة العزيز: { وَأَلْفَيَا سَيِّدَها لَدَى الباب } أي زوجها وبما روي « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل: من السّيّد ؟ قال: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام قالوا: فما في أمّتك من سيّد ؟ قال: بلى ، من آتاه اللّه مالًا ، ورزق سماحةً ، فأدّى شكره ، وقلّت شكايته في النّاس » وبقوله صلى الله عليه وسلم للأنصار وبني قريظة: « قوموا إلى سيّدكم » يعني سعد بن معاذ . وقوله صلى الله عليه وسلم في الحسن بن عليّ رضي الله عنهما - كما ورد في الصّحيحين - « إنّ ابني هذا سيّد ، ولعلّ اللّه يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين » وكذلك كان. وقوله صلى الله عليه وسلم للأنصار: « من سيّدكم ؟ قالوا: الجدّ بن قيس على أنّا نبخّله ، قال صلى الله عليه وسلم: وأيّ داء أدوى من البخل » .

وبقوله صلى الله عليه وسلم: « كلّ بني آدم سيّد ، فالرّجل سيّد أهله ،والمرأة سيّدة بيتها » .

ومنه حديث أمّ الدّرداء رضي الله عنها: حدّثني سيّدي أبو الدّرداء .

وبقول عمر رضي الله عنه لمّا سئل: من الّذي إلى جانبك ، فأجاب: هذا سيّد المسلمين أبيّ بن كعب رضي الله عنه .

وقالوا: إنّه لم يرد في القرآن الكريم ولا في حديث متواتر أنّ السّيّد من أسماء اللّه تعالى ، ولأنّ إطلاق لفظ السّيّد على اللّه عزّ وجلّ لكونه سبحانه مالك الخلق أجمعين ، ولا مالك لهم سواه ، وإطلاق هذا اللّفظ على غير اللّه تعالى لا يكون بهذا المعنى الجامع الكامل ، بل بمعان قاصرة عن ذلك .

وقال بعضهم: إنّ لفظ السّيّد لا يطلق إلاّ على اللّه سبحانه وتعالى ، لما ورد في حديث مطرّف الّذي سبق ذكره . وقال الخطّابيّ: لا يقال السّيّد ولا المولى على الإطلاق من غير إضافة إلاّ في صفة اللّه تعالى .

وقال بعضهم: إنّ لفظ السّيّد يجوز إطلاقه على مالك العبد أو مالكته ، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه « أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: لا يقولنّ أحدكم: عبدي وأمتي ، ولا يقولنّ المملوك: ربّي وربّتي ، وليقل المالك: فتاي وفتاتي . وليقل المملوك: سيّدي وسيّدتي ، فإنّهم المملوكون ، والرّبّ: اللّه تعالى » قال صاحب عون المعبود: كان بعض أكابر العلماء يأخذ بهذا ، ويكره أن يخاطب أحدًا بلفظه أو كتابته بالسّيّد ، ويتأكّد هذا إذا كان المخاطب غير تقيّ .

من يستحقّ التّسويد:

10 -لفظ السّيّد مشتقّ من السّؤدد ، وهو: المجد والشّرف ،ويطلق على المتولّي للجماعة. ومن شرطه وشأنه أن يكون مهذّب النّفس شريفًا . وعلى من قام به بعض خصال الخير من الفضل والشّرف والعبادة والورع والحلم والعقل والنّزاهة والعفّة والكرم ونحو ذلك .

إطلاق لفظ السّيّد على المنافق:

11 -المنافق ليس من هذه الخصال في شيء ، لأنّه كاذب مدلّس خائن ، لا توافق سريرته علانيته . وفي العقيدة: يبطن الكفر ويظهر الإسلام . وقد ورد النّهي عن إطلاق لفظ السّيّد على المنافق فيما روي عن عبد اللّه بن بريدة عن أبيه قال: « قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا للمنافق سيّد ، فإنّه إن يك سيّدكم فقد أسخطتم ربّكم عزّ وجلّ »

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت